نافذة على --- من حياة الإباء القدسيين

يوسف بين الخير والشر

القديس قبريانوس والقديسة يوستينه

أنبا هدرا السائح الأسواني

القديس متياس الرسول

رئيس الملائكة ميخائيل

صداقة القديسن مار مينا والبابا كيرلس السادس

   

تجلي كلية الطهر السيدة العذراء بكنيسة الزيتون

     

أم الغلابة (أم السيد)

القديس موريس موريتيوس آباء سواح

"الأعجوبة العظيمة لرئيس الملائكة ميخائيل مع الفتى تلاصون والغني"

القديسة مارينا الناسكة

الأنبا إيليا السائح
البابا القديس كيرلس الأول الأنبا كاراس السائح أنبا غاليون السائح
الأنبا صموئيل المعترف القديس القمص يسى ميخائيل – قديس كوم غريب ، طما الأنبا ستراتيوس السائح
"فستلد إبناً وتدعو إسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم" (مت 1 : 21) القديس آفافيني (أبو فانا) المتوحد
بناء أول كنيسة لمار جرجس ببلدتي برما وبئر ماء بالواحات

يعقوب وعيسو

القديس زوسيما

  لقديسة فيرنا
   
  االقديسة مريم الإسرائيلية

 

أنبا هدرا السائح الأسواني

شهية ومملوءة رائحة عطرة ، سيرة أبينا الطوباوي أنبا هدرا قديس أسوان المحلي، ذي الاسم الحسن والحياة المملوءة جهاداً وقتالاً  ضد قوات الظلمة ، الحياة المكللة بقمم الانتصارات الروحية.
 
ولد ونشأ القديس الأنبا هدرا في أسوان .
 كان يقيم بمدينة أسوان  خائفاً الله سالكاً في طرقه وجميع وصاياه ، حافظاً لكتب الله الجليلة وديعاً طاهراً عفيفاً، ملازماً للأصوام والصلوات ، ودخول البيعة المقدسة باكراً وعشية. فلما نشأ قليلاً أراد أهله أن يزوجوه، فلم يقبل ، ذلك لأنه كان طالباً التقشف والنسك، وكان يسأل الله الليل والنهار أن يرشده إلى الطريق المستقيم.
 
فلما كان في بعض الليالي إذ بشخص منير يقول له: يا هدرا يا هدرا لا تبطئ عن النهوض إلى ما اهتممت به من الفكر الصالح ، بل قم مسرعاً وتممه ، فقام مسرعاً ومضى على البيعة مصلياً كعادته ، سائلاً الله أن يعينه ، وأن يرشده إلى ما فيه خلاص نفسه الأبدي ، وكان يتلو المزمور القائل "طوباهم الذين بلا عيب في الطريق السالكون في ناموس الرب" (مز 118: 1).
 
وفيما هو كذلك إذا بميت محمول قد أتوا به فلحقته خشية كبيرة عند رؤية ذلك الميت فترك أهله وماله ومضى إلى الدير بمنف.
 
وقد وجد داخله أناساً قديسين كملائكة الله، فأقام عندهم أياماً يصنع الصلوات، ولما سمع أهله بخبره ذهبوا إليه بالدير قائلين له: ما هذا الذي فعلته ، تركت أموالك وكل مالك ، وفعلت بنفسك هذا، فلم يسمع لقولهم ولم يكلمهم البتة ، فيئسوا منه ، ومضوا وتركوه. وإذ رأى أب الدير قوة عزمه ، ونشاطه ، وكثرة نسكياته ألبسه إسكيم الرهبان ، فسار في السيرة الملائكية واستنارت نفسه من التعاليم الإلهية والوصايا الرسولية، وصار مداوماً على الأصوام والصلوات والسهر وقراءة الكتب المقدسة ، كما أنه اقتنى جميع طرق القديس الشيخ الناسك أنبا بيمن (المولود نحو سنة 350 م بإحدى مدن مصر) إذ كان تلميذاً له حتى صار إبناً خاصاً له...
 
فلأجل الاهتمام الكلي بما هو للرب، بلا نقص أو إرتباك امتنع أبونا الروحي القديس الأنبا هدرا عن استجابة مطلب أهله من جهة الزواج، تاركاً العالم وما فيه مصراً على ذلك بلا عودة أو تردد تلبية لتعاليم شخص معلمنا الأعظم الرب يسوع المسيح القائلة: "من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني. ومن لا يأخذ صليبه ويتبعنى فلا يستحقني ... ومن وجد - (أي دلل ومتع)  حياته يضيعها. ومن أضاع حياته – (أي بذل حياته الزمنية) – من أجلي يجدها" (مت 10 : 37 – 39)
 
بل طوباك يا أبانا البار المكرم أنبا هدرا لأنك لبست الشكل الملائكي الذي لإسكيم الرهبان ، وصرت عظيماً من بين هذه الطغمة السامية ، التي تغنى فيها مختبروا حلاوتها ، الذين تمتعوا ببهائها ، التي قال فيها الآباء الشيوخ : لا تكون تحت السماء أمة مثل المسيحيين إذا أكملوا ناموسهم.
 
الأنبا هدرا وحياته التوحدية
"وكان في البراري على يوم ظهوره لإسرائيل" إسهروا إذاً وتضرعوا كل حين" (لو 1 : 8، لو 21: 36)
سأل الأنبا هدرا معلمه الأنبا بيمن – أن يطلق له السبيل في المضي إلى البرية ليختبر الوحدة. فلما كان بعض الأيام أخذ القديس  الشيخ أنبا بيمن القديس أنبا هدرا وأخذ معه قليل خبز وماء وسارا إلى أن وصلا إلى مكان يسمى بالمتوحدين ، فطلب القديس من أنبا هدرا أن يسكن هناك ووضع عليه قوانين بأصوام وصلوات ، وأقام عنده أياماً يدربه على قتال العدو وأوصاه ألا يبطل شغل يديه ثم تركه ومضى.
 
أقام القديس أنبا هدرا داخل المغارة وزاد على فضائله التي كان يمارسها في الدير ، حتى أن بعض الإخوة السواح الذين كانوا إلى جانبة لما رأوا كثرة تقشفه وعبادته ، قالوا له : يا أخانا الحبيب إن كل شيء يكون بمقياس ، جيد هو ، أجابهم القديس أنبا هدرا بقول صالح وتواضع: إن كل ما أفعله لا يقوم مقام خطية واحدة من خطاياي، فإذ سمع أولئك الإخوة هذا الكلام اتعظوا  به ومضوا ، وتركوه مخبرين الإخوة الآخرين بجميع ما قاله لهم ، وكانوا من وقت لآخر يأتون إليه متشبهين بأفعاله ، متغذين من تعاليمه الحية ، متعجبين من اتضاعه وانسحاق نفسه.
 
وكان الناس يتقاطرون إليه من كل الأماكن لسماع تعاليمه فكان يعزيهم بالكلام الروحي فشاع خبره واشتهر في جميع البلدان ، وكثرت زيارات الناس له فكره ذلك وقصد أن يهرب إلى مكان لا يعرف فيه . فاستشار الأب الشيخ أنبا بيمن معلمه فأذن له بذلك وودعا بعضهما بعد أن صنعا صلاة ومضى القديس هدرا ماشياً إلى البرية الجوانية يسأل الرب أن يدبر له مكاناً يختاره ، فكان الموضع مسيرة ثلاثة أيام ولا يأويه إلا الوحوش الضارية وهوام الأرض. فلما رأوا القديس أنبا هدرا واقفاً أرادوا أن يفترسوه فبسط يديه وصلى هكذا قائلاً: يا ربي يسوع المسيح الذي أخضع الأسود لدانيال النبي في ذلك الزمان ، اصنع رحمة مع عبدك وأبعد عنى خوف هذه الوحوش الكاسرة، وللوقت قبل الرب صلاته وأبعدهم عنه فلم يؤذوه بل صاروا مستأنسين له كالناس...
 
لقد سلك أنبا هدرا في ظل رغباته الروحية وأشواقه النسكية المقدسة مسلكاً حسناً جداً قاطعاً شوطاً طويلاً للغاية، الأمر الذي تجلى في طلبة حياة الوحدة إلى أبعد حدودها –   ومما تقدم من سيرة حياته الفاضلة  قطع هذا الشوط الطويل في ظل إرشاد حكيم من أب روحاني مختبر عميق .
 
ثم استمر يصنع صلوات كثيرة ونسكيات ، فإذا عدو الخير الذي هو الشيطان ، صار يفزعه بأشكال مخيفة ومناظر مفزعة ، ويظهر له في شكل نساء جميلة الصورة ، لكي يوقعه في شباك الخطية المهلكة ، لكن القديس أنبا هدرا كان يقوى عليه ويقهره بقوة الصليب المقدس فينفضح ويضمحل.
وإذ سقطت قوة القديس أنبا هدرا من كثرة النسك والتقشف وصار مطروحاً على الأرض ، غير قادر على الحركة ، أتى إليه شخص نوراني وبيده إناء مملوء من الدهن فأفاض على رأسه قائلاً: قد شفيت يا هدرا من سائر أمراضك ، فاستيقظ القديس فوجد نفسه قد شفى وكأنه لم يصبه ألم البتة ، فعلم أن قوة إلهية قد أدركته ، إلا أن عدو الخير الشيطان حسده فصار هو جنوده يفزعونه بأشكال مخيفة ، ثم ظهروا له مواجهة ، وقالوا له : أليس أنت تغلبنا فسوف تنظر ما سيحل بك عقاباً من جهتنا . فرشمهم القديس بعلامة الصليب المجيد ، فولوا هاربين بخزى شديد. مقدماً الصلاة هكذا قائلاً: أيها الرب إلهي الذي هزم إبليس وجنوده الأشرار بصعودك على الصليب الحيى، خلصنى الآن من هؤلاء الأشرار المحيطين بي القائمين علي. ثم صار يتلو المزمور القائل:
"خاصم يا رب مخاصمي، قاتل مقاتلي، إمسك مجناً وترساً وأنهض إلى معونتي ..." (مز 35: 1، 2). وبذلك كان ينتصر عليهم ويقوى على قتالهم.
 
وإذ أتى إليه القديس الأنبا بيمن ليفتقده ، أخبره بكل ما جرى له ، سائلاً إياه أن يحضر إليه سيرة القديس الأنبا أنطونيوس ليتعزى ويتقوى بها على حرب الشياطين، الذين لم ينقطعوا عن قتالاتهم له ، وكان الأب الشيخ الأنبا بيمن  يأتى إليه كثيراً ليفتقده ... وإذا كان ينام عنده كان ينظر نوراً عظيماً فيتعجب من ذلك . وفي ذات ليلة بينما كان القديس الأنبا هدرا نائماً في مغارته ، إذا بأصوات ورعود وإنزعاج كثير فتقدم واحد من الأجناد الشريرة وضربه بسيف فقطع ذراعه فوقع القديس ملقى على الأرض كالميت ، وللوقت ظهر له ملاك نوراني وأنهضه قائلاً له : يا هدرا تقوى فإن السيد المسيح له المجد لا يتخلى عنك ولا يتركك وهوذا قد أرسلني إليك لأشفيك ، ثم أخذ يده المقطوعة ووضعها في مكانها فالتصقت ، وكأنها لم يصبه ألم البتة ، ثم ثواه وعزاه وأعطاه السلام وصعد إلى السموات .
 
فلما كان غد ذلك اليوم ، أتاه القديس الأنبا بيمن ليفتقده ، فاشتم بالمكان رائحة طيب مختار ، وإذ سأله من ذلك ، أخبره بكل ما حدث له من تجارب العدو ، وخلاص الله له ففرح أبوه الروحي كثيراً.
 
وقد أعطاه الرب يسوع المسيح موهبة الشفاء فكان يضع يده على المرضى بسائر الأنواع فيعافون، وكذلك الذين بهم الأرواح الشريرة كان يصلي عليهم فيشفون ، ومع ذلك كان متضعاً يعطي لنفسه الويل في كل حين ويقول: هذا الفعل الذي أنا أفعله هو من قبل الله العلي.
 
وكان لباسه في الشتاء مسح شعر وفي الصيف ثوب من جلد ، ولم يكن له سوى جبة واحدة من صوف أبيض يلبسها عند تناوله الأسرار المقدسة.
 
ويقول الأب يوحنا كاسيان (كتاب حياة الصلاة الأرثوذكسية) "يقول الأباء أن الذي يرسم ذاته بعلامة الصليب في عمله بلا اهتمام أو ترتيب فإن الشياطين تفرح به . أما الذي في روية وثبات يرسم ذاته بعلامة الصليب من رأسه إلى بطنه ثم كتفه الأيسر إلى الأيمن ، فهذا تحل عليه قوة الصليب وتفرح به الملائكة".
 
ويقول أيضاً "إنه مدهش بالحق وغير مدرك ، كيف أن قوة المسيح تحل في رسم الصليب فإطفاء الحريق وطرد الشياطين ، وتسكين الآلام ، وشفاء المرضى، ولكن بالضبط سر غير مدرك كحلول الروح القدس في الخبز والخمر فيصيران لحماً ودماً".
ويجيب عن سر خوف الشياطين ورهبتهم من الصليب قائلاً: "إن الشياطين ترتعب من منظر الصليب وحتى مجرد الإشارة به باليد ، لأن السيد المسيح له المجد ظفر بالشيطان وكل قواته ورئاسته على الصليب ، وجردهم من رئاستهم وفضحهم علناً، فصارت علامة الصليب تذكيراً لهم بالفضيحة وإشارة إلى العذاب المزمع أن يطرحوا فيه".
"فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله" (1 كو 1: 18).
إذن لا ترهب بل تسلح :
لعلك رأيت وفي وضوح تام كيف أن في الصليب قوة وانتصار فلا ترتعب إذن من أعدائك، لكن تسلح بهذا السلاح الإلهي، طالباً إلهك في كل حين ، فليس للشيطان سلطان عليك، فهذه حقيقة يؤكدها الكتاب المقدس ، كما تؤكدها أقوال الأباء القديسين أيضاً .
 
فلما تقدم سن قديسنا البار الناسك أنبا هدرا مضى من مكان الوحدة في البرية الجوانية – إلى بعض الأديرة ليسكن فيها حيث حبس نفسه في قلايته ، وكان يصنع عجائب كثيرة وفيما هو نائم في بعض الليالي رأى إنساناً لابساً شكل الأسقفية وهو جالس على كرسي ، فخاطبه قائلاً: "تمسك بالإيمان الذي قبلته من الأباء القديسين ولا يفحص أحد بتشكك عن سر الثالوث القدوس ، الآب والإبن والروح القدس ، ثلاثة أقانيم في لاهوت وجوهر واحد. كذلك عن الإبن الكلمة الوحيد الجنس ، الذي تجسد ومات لخلاص جنس البشر ، وقام من بين الأموات بقوة لاهوته وجلس عن يمين الآب في علو مجده ، وسوف يأتي ليدين الأحياء والأموات . هذا هو أساس البيعة ورجاء المؤمنين المسيحيين.
فلما أكمل هذا الكلام مع القديس أنبا هدرا قام عن كرسيه وأشار بيده نحوه قائلاً له : قد وهبتك هذا الكرسي ، وهذا يكون لك عوض أتعابك – وفي هذا العالم – وبعد ذلك اختفى عنه.
فقام أنبا هدرا مسرعاً، وكتب هذه الرؤيا بخطه ، وكان يتذكرها مراراً كثيرة ، لكنه لم يعلم أحداً بذلك إلا لما دعاه إلى رتبة الأسقفية ، إذ أعلم الشعب بالرؤيا ، داعياً إياهم إلى خوف الله وتقواه وتعاليم الكتب الإلهية.
 
وكان يهتم بالمساكين والغرباء ويفتقد المحبوسين ويصنع العجائب والآيات، إذ كان المرضة يشفون بصلاته ، ولم يكن يفتر عن تعليم الشعب وتثبتهم على الإيمان المستقيم محذراً إياهم عن الخروج إلى الطريق المعوج . وكان صابراً على المحن والتجارب ، وبنعمة الله كانت البيعة المقدسة والشعب في أمن وسلام مدة أسقفيته . فلما رأى الرب صنيعه الحسن ، وكثرة أتعابه أراد أن ينقله من الدار الفانية إلى نعيم الحياة الباقية بعد أن وصل على شيخوخة صالحة ، فمرض قليلاً مضجعاً  على الأرض ، فاجتمع الآباء الكهنة والرهبان وسائر شعبه لتوديعه بألم شديد ، قائلين له: لما تتركنا يا أبانا وتمضي ، ونحن محفوظين بصلاتك ، فعزاهم بكلامه الروحي وأوصاهم أن يثبتوا على الإيمان المستقيم ، وحفظ الوصايا الإلهية والمثابرة على الأصوام والصلوات المفروضة ، والرحمة لكل واحد وقال لهم أعلموا يا أولادي : أن في وقوفنا بالبيعة لنحسب أننا قائمون أمام الله.
 
فلنقف بخوف ورعدة لكي نستحق الرحمة يوم الدينونة أمام كرسيه بلا عيب ، اصنعوا المحبة بعضكم لبعض بالقلب السليم ، وكثرة المحبة والرحمة ، ردوا كل ذي حق حقه، ولا يكن عندكم أخذ بالوجوه ولو محاباة ، ولترتلوا بالتسابيح الروحانية في بيعته المقدسة ، ممجدين القدير ، كونوا متيقظين وإعلموا أنكم ستنقلون  من هذه الدنيا ، فلا تكونوا متوانيين عن فعل الأعمال الصالحة لتنالوا الخيرات الدائمة .
وبعد ذلك باركهم وودعهم وأسلم الروح بيد الرب الذي أحبه في اليوم الثاني عشر من شهر كيهك في تملك الملك المحب لله ثيئودوسيوس فناح الجميع عليه ، مجهزينه كما يليق بكهنوته ودفنوه في البيعة المقدسة ، وكان يظهر من جسده أشفية وعجائب، وكان رجاء صالحاً لكل من يقصد بإيمان قوي ، ولا يستطيع إنسان أن يصف كل عجائبه .
 
فلنسأل الرب بشفاعته المقبولة أن يغفر خطايانا ويسامحنا عن آثامنا وهفواتنا ، ويمحي ذنوبنا ، ويتجاوز عن سيئاتنا ، ويعيننا بصالح الأعمال قبل فروغ الآجال ، وأن يعل باب بيعته مفتوحاً في وجوهنا على مر الأجيال والأزمان ، وأن يسمعنا الصوت الفرح القائل : "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم منذ تأسيس العالم " بشفاعة ذات الشفاعات معدن الطهر والجود والبركات ، سيدتنا كلنا ، وفخر جنسنا العذراء الدائمة البتولية ، القديسة مريم ورؤساء الملائكة ، والملائكة الأطهار ، وأبائنا الرسل الأبرار ، وسائر الشهداء والقديسين ، وكل الذين أرضوا الرب بأعمالهم الصالحة.
 
أمين وعادل هو إلهنا ، قد كلل جهاد أبينا البار الأنبا هدرا بهذه الرتبة الثمينة ، رتبة الأسقفية الجليلة ، التي قال عنها الوحي الإلهي :"ولا يأخد أحد هذه الكرامة بنفسه بل المدعو من الله ، كما هارون أيضاً" (عب 5: 4) فهي كرامة بحق ، وإن كان مسئولية جسيمة . وكرامة عظيمة ، لانها تضيف إلى نعمة البنوة بالتبني بالنسبة للإنسان كرامة أخرى إذا تجعله وكيلاً للرب الإله
 (تي 1: 7) وكيلاً لسرائره المقدسة (1 كو 4: 1) مقاماً على عمل صالح (2 تي 3: 1) .
تذكار نياحته في اليوم الثاني عشر من شهر كيهك صلاته تكون معنا آمين.
 
القمص أرميا زكي ، وكيل مطرانية أسوان.

EL/01.12.2003

 

 
مديح لقديس أسوان
(على الطريقة الكهيكية)
 
1 – هيا يا بني الإيمان                نطلب شفاعة وإحسان          من قديس أسوان أبينا أنبا هدرا
2 – يا اسم جميل غالي                ديرك مبني وعالي             ملان بالقلالي أبيينا أنبا هدرا
3 – أسقف ناسك عابد         مصلي ومجاهد                 وللعالم زاهد أبينا أنبا هدرا
4 – بفضائل كثيرة            قلبك ملان غيرة                        بهمة كبيرة أبينا أنبا هدرا
5 – يا رجل المعجزات                سموت في الروحيات           إلى أعلى الدرجات أبينا أنبا هدرا
6 – في سياحة روحية                 وحياة تقوية                    عطرات البرية أبينا أنبا هدرا
7 – بسلاح الطهارة            حاربت بجدارة                 في خدمة جبارة أبينا أنبا هدرا
8 – غلبت شيطان غدار       يزأر كأسد جبار                        بالصليب القهار أبينا أنبا هدرا
9 – أحرقته بصلاتك          وعمق طلباتك                  وبكثرة مطانياتك أبينا أنبا هدرا
10 – في خدمة وإرشاد                جمعت حولك عباد             يا عظيم في الجهاد أبينا أنبا هدرا
11 – رجل عاقل وحكيم       لأبينا أنبا هدرا                 نقدم التكريم لأبينا أنبا هدرا
12 – لا تمدحك كلمات        اسمك ملآن بركات             يا جزيل الصفات أبينا أنبا هدرا
13 – طوباك ثم طوباك               والمسيح أعطاك                        وجهك كوجه ملاك أبينا أنبا هدرا
14 – السلام لك يا مختار      يا ما هديت أشرار             إلى نور الأنوار أبينا أنبا هدرا
15 – اشفع في أثمة وخطاه    أمام عرش الإله                        لنحظى بالنجاة أبينا أنبا هدرا
16 – ومن أحيا كرسيك       أذكره أمام فاديك                من أجله نناديك أبينا أنبا هدرا
17 – أذكر أسقفنا الجليل      راعي وديع ونبيل              يحمل راية الانجيل أبينا أنبا هدرا
18 – كاتب هذه السيرة                قلبه مملوء غيرة               أجعل حياته منيرة أبينا أنبا هدرا
  لقداسة الأب الحبيب القس داود بطرس كاهن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بأسيوط.
 EL/08.01.2004

 

القديس قبريانوس والقديسة يوستينه

 

كان قبريانوس كافراً وساحراً، تعلم السحر ببلاد المغرب حتى فاق كل أترابه. ثم حمله الغرور بمقدرته أن يذهب إلى أنطاكية ليتحدى من فيها من السحرة ويفتخر عليهم بعلمه، ولما وصلها، شاع ذكره، وبلغ مسامع شاب من أولاد أكابرها، كان قد هوى شابة مسيحية عذراء تدعى يوستينه، كان قد رآها أثناء ذهابها إلى البيعة، فالتهب قلبه بحبها، ولكنه لم يبلغ منها مأربه لا بالمال ولا بالتهديد ولا بالسحر، فقصد ذلك الساحر وشكا له حاله لعله يستميل قلب يوستينه إليه ويبلغ منها مراده. فوعده قبريانوس ببلوغ أمله، ثم استعمل كل أساليب سحره فلم يفلح، لأنه كلما أرسل إليها قوة من الشياطين يجدونها قائمة تصلي، فيعودون بالخيبة، ولما عجز، دعا الشياطين وقال لهم: "إن لم تحضروا إلي يوستينه أعتنق المسيحية."

فاستنبط كبير الشياطين حيلة يخدعه بها ، وذلك أنه أمر أحد جنوده أن يتزيا بزيها ويظهر في صورتها ويأتيه، ثم سبق فأعلم قبريانوس بمجيئها. ففرح، وظل يرقبها ، وإذا بالشيطان المتشبه بها قد دخل إليه، ففرح قبريانوس وقام ليعانقها، ولعظم ابتهاجه بها قال لها : "مرحبا بسيدة النساء يوستينه." فعند ذكر اسمها فقط، انحل الشيطان المتشبه بها وفاحت منه رائحة كريهة.  فعلم  قبريانوس أنها خدعة من الشيطان الذي لم يستطع أن يقف قبالة ذكر اسمها، فقام لوقته وأحرق كتبه، وتعمد من بطريرك أنطاكية الذي ألبسه لباس الرهبنة. وبعد قليل رسمه شماساً فقساً. ولما تقدم في الفضيلة وعلوم البيعة،  جعلوه أسقفاً على قرطاجنة سنة 351م. فأخذ القديسة يوستينه وأقامها رئيسة على دير للراهبات هناك. ولما اجتمع المجمع المقدس بقرطاجنة، كان هذا القديس أحد المجتمعين فيه.

 

ولما علم بهما الملك داقيوس، استحضرهما وطلب منهما التبخير للأصنام. ولما لم يطيعاه، عاقبهما عقوبات كثيرة. وأخيراً ، ضرب عنقيهما بحد السيف وذلك في اليوم الحادي والعشرون من شهر توت المبارك ونالا إكليل الشهادة.

 

صلاتهما تكون معنا، ولربنا المجد دائماً أبدياً، آمين.

 

السنكسار

EL/4 Oct.2004

 

يوسف بين الخير والشر

 

هل إستطاع أخوة يوسف أن يميتوه؟

هل هدأت نفوس اخوته بعد أن باعوه وتخلصوا منه؟

هل إستطاع بئر جاف أن يوقف مسيرة الله معه؟

هل صمت الرب عن يوسف تاركاً الشر ينال منه؟

هل انتصر الشر على يوسف البار؟

ما موقف المتآمرين منه بعد أن رأوه متوجاً بل إلهاً لفرعون؟

هل في بداية التجربة كان يوسف يدرك الخطة الإلهية في حياته؟

لو لم يبع يوسف عبداً ولو لم يرذل من إخوته ماذا كانت نهايته؟

إنها قصة كل فرد منا فيه ينهزم الشر مهما طال، ويتبدد الظلام مهما انتشر ،

وتظهر الحقيقة حتى ولو بعد أجيال وأجيال.

 

فقال لهم يوسف لا تخافوا. لأنه هل أنا مكان الله.

أنتم قصدتم لي شراً ، أما الله فقصد به خيراً ، لكي يفعل كما اليوم ، ليحيى شعباً كثيراً (تك 50 : 19 – 20)

 

بين شكيم ودوثان :

هناك في شكيم كانت بداية اللقاء ، لقد مضى أولاد يعقوب يرعون غنم أبيهم ، وطال الفراق وانقطعت الأخبار ، فدعى يعقوب إبنه الذي يحبه يوسف قائلاً:

إذهب انظر سلامة اخوتك وسلامة الغنم ورد لي خبراً (تك 37 : 12) وخرج يوسف من لدن أبيه حاملاً سلامه ورسالته . وهناك في شكيم لم يكن له مكان ، في البرية كان تائهاً ضالاً إلى أن وجده أحد الرجال الذي أشار إليه بالتوجه إلى دوثان (تك 37 : 17).

 

وصل إلى دوثان والتعب قد أخذ منه ، ولكن حينما أبصره إخوته من بعيد احتالوا عليه ليميتوه ، فقال بعضهم لبعض: هوذا صاحب الأحلام هذا قادم ، فالآن هلم نقتله ونطرحه في إحدى الآبار ونقول وحش ردئ أكله .. فقال لهم رأوبين لا تسفكوا دماً إطرحوه في هذه البئر التي في البرية  ولا تمدوا إليه يداً ..

 

فكان لما جاء يوسف إلى إخوته .. خلعوا قميصه الملون الذي عليه ، وأخذوه وطرحوه في البئر .. ثم جلسوا ليأكلوا طعاماً .. واجتاز رجال مديانيون (تجار) فسحبوا يوسف وأصعدوه من البئر وباعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين من الفضة فأتوا بيوسف إلى مصر (تك 37: 18 – 29).

 

أهكذا يكون الجميل ؟ أهكذا يعامل الأبرار ؟!

ماذا كان شعور يوسف وقتها ؟! وفيما كان يفكر ؟

ولو نحن في مكانه ماذا كان تفكيرنا ؟ يأتي لسلام اخوته فيفكروا في قتله!!

 

لقد ضاقت نفسه مسترحماً اخوته بدون جدوى ، كانت قلوبهم كحديد مطروق أمام توسلاته واسترحماته لهم "حقا إننا مذنبون إلى أخينا الذي رأينا ضيقة نفسه لما استرحمنا ولم نسمع (تك 42: 22).

 

كيف استطاعوا أن يمدوا أيديهم إلى أخيهم ليوثقوه ويطرحوه حياً في بئر ؟ وهل هانت عليهم قلوبهم أن يتركوه يموت جوعاً ، أو ملتهماً من الوحوش البرية ، بعد أن التهموه ببغضة قلوبهم ؟ أين ضمائرهم ومخافتهم لإلههم ؟

 

ألقوه في البئر وجلسوا يأكلون !! إنها قسوة ما بعدها قسوة بل جحود ونكران لم نرى مثله من قبل .. كيف استطاعوا الجلوس للأكل . لقد ظنوا أنهم سيتخلصون منه ونسوا تماماً عناية الرب..

 

حقاً إن الأمور كلها تعمل معاً للخير وكل ما يعمل لا يعمل جزافاً بل بسماح من الله ، لمجد الإنسان والتسبيح إسم القدوس المبارك (بل لتظهر أعمال الله فيه يو 9 : 3):

 

احتالوا عليه ليميتوه ثم أوثقوه ، ملقين إياه في البئر. ثم مبيعين إياه بعشرين من الفضة وكأنما الفضة أثمن من أخيهم الذي جاء للسؤال عنهم حاملاً خيرات أبيه لبطونهم!!

أين هو الله ؟ ولماذا سمح بهذا ؟ أين العناية الإلهية؟

 

لا بد أن هذا كان تفكير يوسف الصديق ، الشاب الذي كان يحيا مع الله فكان ناجحاً في كل أعماله .

 

إن مشكلة الإنسان الكبرى هي عدم الصبر والحكم على الأمور بسرعة من الساعات الأولى للأحداث.. لقد تخلص أبناء يعقوب من يوسف وظنوا أن ملف القضية قد أغلق .. ولم يعلموا أن الله يحول الشر إلى خير ..

تآمروا عليه من بعيد .. أما الرب فبدد مؤامراتهم .

صمموا على قتله .. أما الرب فأعطاه عمراً.

تركوه جوعاناً .. فمد الرب يده وأطعمه.

ربطوه ظلماً .. فمد الرب يده وفكه.

عروه حقداً وحسداً فكان الرب ستره !! إيه يا نفسي إيه ؟هل أدركت عنايته ، هل أحسست بدفء محبته ورعايته..

 

في أرض مصر : جاء يوسف إلى مصر واشتراه فوطيفار خصي فرعون رئيس الشرط .. وهو رجل مصري .. من يد الإسماعيليين الذين أنزلوه إلى هناك وكان الرب مع يوسف فكان رجلاً ناجحاً (تك 39 : 1 ، 2).

 

سار يوسف في غربته عبداً مقيداً خلال قافلة الإسماعيليين ، يشعر بالوحدة والغربة وعدم الوفاء ، سار مع القافلة وقلبه مطحوناً مجروحاً من إخوته ولم يدرى أن الرب يرافقه إنه أمر مخفي عن عينيه وما أجمل الوحي حينما يكشف لنا "وكان الرب مع يوسف" (تك 39 : 1).

 

لو تنكر لي الآخرون حتى ولو كانوا بنو أمي فإن الرب معي لن يتركني وحيداً ، وكما كان مع يوسف هكذا يكون مع أولاده في الضيقة حتى لو أخفى عن عيونهم.

 

وهناك في مصر ظهرت اليد الإلهية تسانده ووجد يوسف نعمة في عيني سيده وخدمه فوكله على بيته ودفع إلى يده كل ما كان له ، وكانت بركة الرب على كل ما كان له (تك 39).

 

وجد يوسف تكريماً ونعمة في عيني سيده ولكن شعوره بالغربة ، شعوره ببعده عن أبيه يعقوب ، شعوره بمرارة حقد إخوته وما صنعوه ، إحساسه كعبد وهو من أحب إخوته إلى قلب أبيه .. إنها أحاسيس كانت تراوده ، وأفكاراً كانت تهاجمه ولم يكن يعلم أنها لخيره بل لخير قبيلته وعشيرته..

هل كان يعلم وقتها ما هو لسلامه ؟  كلا.

 

وهناك في بيت سيده أتهم زوراً وشكك في طهارة سلوكه ، ولم يدافع عن نفسه ولم يبرر من موقفه ولكن عينا الرب كانت له راصدة ، وعنايته حافظة ، وقوته مدبرة، ويده مخططة ، وإرادته نافذة .. أجل .. إزدادت التجربة ، ماذا كان شعوره وإحساسه؟ لمن يشكو ومع من يتكلم؟

 

إقتادوه إلى السجن بعد أن أمسكوه عارياً ، فالمرأة ألقت بإتهاماتها عليه ، والثوب في يديها شاهد على صدق قولها ، ويوسف أمامها عارياً لا يملك من الكلمات أو المواقف ما يدافع به عن نفسه !!

 

كيف كانت حياته ؟ ما مقدار الفضيحة حوله؟

وبماذا يواجه العبيد وسيده؟

ورغم أن العناية الإلهية كانت ترافقه كان لا بد من الآلام والتجارب.

 

سجين على كرسي الولاية: في درج السجن أودع البار ، لقد حكم عليه من الكل أنه إنسان شرير ، أجل ليس المهم حكم أو رأي الناس "كان الرب مع يوسف وبسط إليه لطفاً وجعل نعمة له في عيني رئيس السجن .. لأن الرب كان معه ومهما صنع كان الرب ينجحه" (تك 39 : 21 – 23).

 

وهناك في السجن أكمل يوسف جولته ورغم ما انتشر حوله من القيل القال كان الرب له ناصراً ومعضداً ، وهنا يتساءل الناس أو ربما لو كنا في موقفه لكنا لله سائلين:

لماذا لا تظهر الحق سريعاً؟ لما لا تنتقم لأنفسنا ؟ لماذا تسمح بهذا لأولادك؟

 

أجل إنه يحول الشر إلى خير ومن الجافي يخرج حلاوة !

وهناك في السجن كان يوسف منسياً لم يذكره رئيس السقاه كما أخبره بل نسيه (تك 40 : 23) ولكن حتى لو نسيت الأم الرضيع فإن الله لا ينسى أولاده ، ومهما طال الظلام لا بد من ضوء النهار.

 

وبعد سنتين من الزمان أن فرعون رأى حلماً (تك 41 : 1) سبع بقرات حسنة المنظر سمينة وسبع بقرات قبيحة المنظر ونحيفة، فأكلت البقرات النحيفة البقرات السمينة ، وسبع سنابل سمينة وسبع سنابل نحيفة فأبتلعت السنابل النحيفة السنابل السمينة واستيقظ فرعون من نومه منزعجاً، فأرسل ودعا جميع سحرة مصر وجميع حكمائها وقص عليهم فرعون حلمه فلم يكن من يفسره لفرعون (تك 41 : 1 – 8) فتذكر رئيس السقاه يوسف وأخبر فرعون فأرسل فرعون ودعا يوسف من السجن ليفسر له أحلامه (تك 41: 17).

 

وحسن كلام يوسف في عيني فرعون ، يوسف المباع من إخوته ، الغريب عن موطنه، المطعون في شرفه وكرامته، الصامت عن الدفاع عن نفسه حسن كلامه في عيني فرعون وفي عيون جميع عبيده فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله ؟! أهكذا يطيل الله أناته ؟ حقاً أن يوماً عند الله في السجن يحدث هذا ؟ أهكذا يطيل الله أناته ؟ حقاً إن يوماُ عند الله كألف سنة عند البشر ، والله لا يقيس الإنسان ولا تقاس أعماله بسنين أو أيام .. إنه يختار الوقت المناسب إنه في عنايته بنا يتخير أوقات النصرة لنا ، لو كان رئيس السقاه ذكر يوسف حال خروجه من السجن أي من سنتين قبل حلم فرعون ربما كان فرعون أطلق سراحه ورجع يوسف إلى وطنه دون أن يدخل في المجد ، أما التأخير حتى يحلم فرعون حلماً هاماً فكان الطريق إلى أن يتولى يوسف مسئولية البلاد الخيرة وخير إخوته.

 

وفال فرعون ليوسف بعدما أعلمك الله كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك ، أنت تكون على بيتي وعلى فمك يقبل جميع شعبي .. انظر قد جعلتك على كل أرض مصر وخلع فرعون خاتمه من يده وجعله في يد يوسف ، والبسه ثياب بوص ، ووضع طوق ذهب في عنقه ، وأركبه في مركبته الثانية ونادوا أمامه : إركعوا .. وجعله على كل أرض مصر .. ودعا فرعون إسم يوسف مخلص العالم وكان يوسف ابن ثلاثين سنة (تك 41 : 37 – 46).

 

وهكذا كانت عناية الله ومحبته ليوسف الذي ربما لم يدركها ولم يفهمها في حينها ، وهكذا أصبح يوسف على كل أرض مصر ، لقد أنساه الله كل تعبه وكل عناء بيت أبيه وجعله مثمراً في أرض مذلته (تك 41 : 51 – 52).

 

لم يعلم يوسف في حينه أن الله كان يعده لكي ينقذ كل بيت أبيه من موت الجوع بل الجوع الذي كاد يهدد كل الأرض، وحينما يدرك يوسف قصد العناية الإلهية يقف الآن منشداً نشيد النصرة وتسبحة الحمد لله الذي اختاره ورعاه وحول الشر في نظر يوسف إلى خيراً:

فلولا بيع إخوته له ما وصل إلى مصر،

ولولا إفتراء إمرأة فوطيفار ما دخل السجن،

ولولا السجن ما تقابل مع رئيس السقاه وفسر حلمه،

ولولا رئيس السقاه ما أخبر فرعون بيوسف،

ولولا حلم فرعون ما جلس يوسف على العرش .

 

إنها سلسلة متشابكة الحلقات، رتبت حلقاتها بعناية إلهية فائقة. إن وصول يوسف إلى هذا المكان يرجع إلى إخوته الحاقدين عليه ، هم قصدوا به موتاً أما الرب فقصد به حياه لشعبه (مخلص العالم) فكم ينبغي أن يشكرهم ويتناسى إساءاتهم لذلك صرخ من أعماقه بعد أن كشفت له النعمة الخطة الإلهية لحياته: هل أنا مكان الله أنتم قصدتم لي شراً، أما الله فقصد بي خيراً لكي يفعل كما اليوم ليحيى شعباً كثيراً (تك 50 : 19).

 

الآن وضعت الفأس على أصل الشجرة ، وكشف المحجوب وتباينت المقاصد الإلهية:

لقد بيع يوسف عبداً وعاش غربته ألماً لكي يحيى شعباً كثيراً، كما كانت بهجته وعمق فرحته حينما حصد ثمرة تألمه !

وهكذا تعمل الأمور معاً للخير ولخير الإنسان مهما بدا من شر وضيق وإضطهاد.. إنها العناية الإلهية.

 

يوسف وإخوته في أرض مصر:

في دوثان كان الخير مهزوماً، وفي مصر كان الشر مقهوراً.

تآمروا عليه من بعيد ، أما هو فأشفق عليهم حين رآهم.

عروه من قميصه، أما هو فسترهم بتسامحه وحبه .

تركوه جوعاناً ، أما هو فأطعمهم من مخازن الله.

أرادوا قتله ، أما هو فأراد لهم حياة.

باعوه بعشرين من الفضة ، أما هو فرد فئة كل واحد إلى عدله.

لما وجدوه بكوا على أنفسهم ندماً، أما هو فبكى عليهم حباً وقبلهم.

فقدوه وهو في السابعة عشر من عمره ، ووجدوه وهو في السابعة والثلاثين من عمره.

قالوا ليعقوب يوسف مات ، أما العناية الإلهية فقالت : لا بل حيّ هو.

 

في أرض مصر : إشتد الجوع وجاءت كل الأرض إلى مصر ، إلى يوسف لتشتري قمحاً "لأن الجوع كان شديداً في كل الأرض" (تك 41: 57) وقال يعقوب لبنيه لماذا تنظرون بعضكم إلى بعض. إني سمعت أنه يوجد قمح في مصر.. إنزلوا إلى هناك واشتروا لنا من هناك لنحيا ولا نموت (تك 42 : 1 – 3) . ولم يكن يعلم يعقوب أن إبنه الصغير هو الذي سينقذه وينقذ أولاده من موت الجوع.. ولم يكن يعلم يعقوب أنه لا تستطيع قوة في الوجود أي كانت أن تضره أو تنزع فلذة قلبه بعيداً عنه بدون سماح من الله .. لم يكن يعلم أن العناية الإلهية ترافقه وترافق وليده.

 

فمهما حاولت اليد الأثمة أن تنزع إبنه من حضنه فلن تستطيع.. حتى ولو نجحت لفترة قصيرة ظن فيها أن كل شيء قد نسىّ .. ولم يكن يعلم إخوة يوسف أن الحق باق وأنه سيظهر حتى لو أخفى إلى حين، وسيكلل الصابرون ويتوج الأمناء .. إنها مفاجئة الأجيال بل عبرة الأجيال بل درس عميق في الإيمان.

 

أتى إخوة يوسف تاركين أخاهم بنيامين ونزلوا إلى أرض مصر ، ولم يكن في حسبانهم أو فكرهم أن دم التيس الكاذب الذي غسلوا قميص أخيهم فيه سيفضح كذبهم  ويكشف قسوة وغيرة قلوبهم ، معلناً أن الوحش الردئ الذي إفترس أخاهم هم أنفسهم . وأن ذاك الوحش لم يفترس يوسف بل افترسهم هم.. ولا بد أن يمزق يعقوب ثيابه ، ويضع مسحاً على حقويه ، نائحاً لا على يوسف بل عليهم ، أولئك الذين تراجعت الرحمة من قلوبهم (تك 37 : 32).

 

في نفس الطريق الذي سلكه أخوهم عبداً إلى مصر سلكوه هم أيضاً كم كانت فضيحتهم وكم تكون آلامهم ، وما نظرة يعقوب لهم بل ما هي أحاسيسهم ؟ ذهبوا ليبتاعوا قمحاً وحينما تواجهوا مع أخيهم ودون أن يعرفوه سجدوا له بوجوههم على الأرض (تك 42: 6) لقد تحول الأحرار إلى عبيد وفك العبد فصار سيداً .

وهكذا فعلوا دون أن يعلموا ما أمرت به السماء يوم أن قص عليهم حلمه ، وانتهره أبوه وقال له " ما هذا الحلم الذي حلمت ، هل نأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك إلى الأرض (تك 37 : 10)‍ ‍‍‍‍وقالوا بعضهم لبعض هوذا صاحب الأحلام قادم.

 

سجدوا له طالبين رضاه متوسلين إليه أن ينقذهم من موت آت صارخين .. عبيدك جاءوا ليشتروا طعاماً .. ليس عبيدك .. جواسيس (تك 42 :10) ورجعوا إلى أنفسهم وقالوا بعضهم إلى بعض حقاً إننا مذنبون إلى أخينا الذي رأينا ضيقة نفسه ، لما استرحنا ولم نسمع ، لذلك جاءت علينا هذه الضيقة، وهم لم يعلموا أن يوسف فاهم .. فتحول عنهم وبكى (تك 42: 24).

 

سجدوا بوجوههم .. وأحسوا بذنبهم ولم يعلموا أن أخاهم في وسطهم عجباً !! ظنوا أن قافلة الإسماعيليين ستخلصهم من أخيهم وتريح داخلهم ولكن هيهات هيهات ، لا دب ولا وحش ولا بئر تستطيع أن تضر النفس التي في يد الله مسلمة أمرها ، لا بد وأن يتحقق المكتوب ، ولا بد أن توافق السماء قبل الأرض، فحياتنا في يد إلهنا ومهما حدث وظهر الظلم مسيطراً فلا بد له من قاهر ، إن صوت المعمدان سيظل صارخاً حتى لو فارق الجسد.

 

أجل ثم أجل .. لقد تواجه يوسف مع إخوته معلناً وكاشفاً ومؤكداً عناية الله بأولاده ، ومهما كان الشر ظاهراً إلا أن باطنه خيراً لاولاد الله ، لذا صرخ يوسف وأخفق صوته بالبكاء قائلاً لأخوته :

أنا يوسف أحي أبي بعد؟! (تك 45: 3)

 

لقد أحس يوسف بحب الرب وعنايته وحفظه له ، بعد أن رأى اليد الإلهية وهي تقود مسيرة حياته وتقيس خطواته قال لإخوته: والآن لا تتأسفوا ولا تغتاظوا لأنكم بعتموني إلى هنا ، لأنه لإستيفاء حياة أرسلني الله قدامكم .. فقد أرسلني الله قدامكم ليجعل لكم بقية في الأرض وليستبقي لكم نجاه عظيمة ، فالآن ليس أنتم أرسلتموني إلى هنا بل الله ، وهو قد جعلني أباً لفرعون وسيداً لكل بيته ، ومتسلطاً على كل أرض مصر .. فصعدوا من مصر وجاءوا إلى أرض كنعان إلى يعقوب أبيهم وأخبروه قائلين يوسف حي بعد (تك 45: 26).

 

وهكذا  الذين حملوا بشارة قتل يوسف إلى يعقوب ، هم الذين حملوا بشارة حياة يوسف ليعقوب.

لم ينقص يوسف مقدار ذرة واحدة، أمام غدرهم وإضطهادهم ومؤامراتهم.

الذين رفضوا له السجود بإرادتهم، سجدوا له دون أن يدروا . كانوا متأهلين لقتله، والآن طلبوا أكثر من مرة الصفح عما إرتكبوه ضده. والذين ظنوا أن الكذب سيغطيهم، كشف عورتهم وخزيهم.

 

وبقي يوسف كما هو يوسف مؤكداً كل يوم أن يوسف حي لم يمت .. لأن الساقطين تحت الظلم لا تصيبهم جراحات ، إنما يرجع الآذى على رأس مدبري المكايد والمؤامرات!!!

وهكذا صدق أشعياء النبي حينما قال : "قولوا لخائفي القلوب، تشددوا لا تخافوا ، هوذا إلهكم .. هو يأتي ويخلصكم (أش 35: 4).

 

القمص فليمون الأنبا بيشوي

EL/26 Mars 2004

 

 
الحلو هو الكنيسة، الحلو هو الشعب المجتمع فيها ، الحلو هو صورة هذا الشهيد القديس مار مينا شهيد ربنا يسوع المسيح.
 
"حلو هو اسمك الطاهر يا مختار المسيح ، الشجاع القوي المبارك القديس مار مينا".
 
"طوباك بالحقيقة أيها الكوكب المضيء، ذو الأسم الحلو الممتلئ مجداً القديس مار مينا".
 
"اسمك ذاع مجداً في جميع كور الأرض إذا أعطانا الرب موهبة القديس مار مينا".
 
"حسن أنت، حسن هو الاسم الذي ختمت به، يا شهيد المسيح القديس مار مينا".
 
"اطلب من الرب عنا أيها الشهيد المجاهد القديس مار مينا ليغفر لنا خطايانا".
 
+++
 
"اسمك عظيم في كورة مصر أيها الطوباوي القديس المكرم في جميع القديسين أبونا الطاهر البابا أنبا كيرلس".
 
"السلام لقبرك المملوء نعمة ، السلام لجسدك المقدس الذي نبع منه شفاء لكل الأمراض".
 
"طوباك بالحقيقة يا أبانا القديس البابا أنبا كيرلس لأنك رفضت هذا العالم الباطل".
 
"فلنذهب باجتهاد إلى داخل ديرك لكي ننال شفاء أمراضنا ونجد رحمة عند الرب".
 
"اطلب من الرب عنا يا أبانا الطاهر البار القديس البابا أنبا كيرلس السادس ليغفر لنا خطايانا".
 
صداقة القديسين
 
"هوذا ما أحسن ، وما أجمل أن يسكن الأخوة معاً"
(مز 133 :1)
 
أول ما يتبادر إلى الذهن، أن صاحب المزمور يتكلم عن سكنى الأخوة المؤمنين المجاهدين هنا في الجسد معاً بالمحبة والتآخي حيث يكون الله معهم. ولكن ترى ماذا يكون الحال، إذا استطاع الإنسان المجاهد على الأرض، أن يساكن أولئك الذين أكملوا جهادكم ورحلوا عن أرضنا، وتخلصوا من ثقل الجسد واصبحو في حرية مجد أبناء الله أرواحاً بهية، ظفرت وانتصرت وتكللت بأكاليل المجد الروحية: أكاليل بتولية، أكاليل شهادة، أكاليل غلبة على أهواء الجسد، أو ......، ليكونوا ضمن سحابة الشهود المحيطين بنا (عب 12: 1) ؟!
 
إن هؤلاء الظافرين الغالبين المكللين ، لا تنقطع صلتهم بأخوتهم الذين على الأرض في الكنيسة المجاهدة ، أذ يؤكد الرسول أنهم محيطون بنا (عب 12 : 1) يشهدون لنا بعظمة الله وبره.
 
تُرى ماذا يكون الحال، لو إستطاع إنسان على الأرض أن يتسامى في طهر ونقاء إلى أن يحوز صداقة هؤلاء القديسين – وأن يعاشرهم وهم في موكب نصرتهم؟!
 
كان للبابا كيرلس السادس علاقة وطيدة بشهداء وقديسي كنيستنا المنتصرين – فكان كل مساء يقوم برفع بخور عشية – ثم يقدم التحية والسلام للقديسين والشهداء الذين ستحتفل الكنيسة بذكراهم في صبيحة اليوم التالي وذلك بعمل التماجيد لهم.
 
ولكن كانت للشهيد العظيم مار مينا ، بين هؤلاء القديسين والشهداء جميعاً ، منزلة خاصة في قلب البابا كيرلس السادس ، نشأت منذ أن كان البابا كيرلس طفلاً صغيراً، إذ تعودت أسرته أن تحتفل بذكرى الشهيد العظيم مار مينا كل عام، فكانت تذهب لتقضي اسبوعاً كاملاً في كنيسة مار مينا المقامة بديره بأبيار غربية، وإزدادت هذه العلاقة قوة ومتانة ، إذ شاءت عناية الله، أن يتسمى البابا كيرلس عند رهبنته باسم "مينا" ، وعبّر البابا كيرلس السادس عن هذه العلاقة الوطيدة القوية في صورة تماجيد وتشفعات كان يقدمها صباحاً ومساءً، كما بنى وهو راهب كنيستين اسماهما باسم الشهيد مارمينا: الأولى في طاحونة الهواء بجبل المقطم، والثانية بمنطقة الزهراء بمصر القديمة. وقام بنسخ سيرته بخط يده بالطريقة التي كان الرهبان قديماً ينسخون بها الكتب ، ووضع نسخاً منها في الكنيستين المذكورتين.
 
وما أن صار بطريركاً حتى بادر بتحقيق أمنية كانت تجيش بصدره منذ زمن طويل.... فأنشأ دير مار مينا بصحراء مريوط وجعله باكورة أعماله.
 
وبادله الشهيد مار مينا العجائبي الحب،  فكان يأتيه ويجالسه ويحدثه ويعزيه ويؤازره، ويكشف له الكثير من الأسرار الخفية ، وكانت للبابا كيرلس السادس دالة عظيمة عند صديقه مار مينا ، كثيراً ما كان يعلنها ، فنجده يقول لمن يقصده "سوف أرسل لك مار مينا"، وكان الشهيد مار مينا يذهب فعلاً، ويقضي لذلك الشخص حاجته ، كأن يشفيه من مرض أو ينجيه من ضيقة شديدة.
وتُظهر الوقائع الثابتة التي رواها أصحابها ، العلاقة القوية بين الشهيد مار مينا والبابا كيرلس والتي استمرت إلى ما بعد رحيل البابا كيرلس السادس.
 
الواقعة الأولى: يتشفعون بالبابا كيرلس فيأتيهم مار مينا
ذهب د. عزت ناشد وأسرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتقدم لإمتحان المعادلة لكي يستطيع أن يمارس مهنة الطب ، بعد استذكار وسهر لمدة سنتين متواصلتين، ونجح في امتحان المعادلة، وحاول أن يعمل كطبيب بأحدى المستشفيات هناك، ولكنه فشل في ذلك لوجود منافسة قوية له من الأمريكيين الحاصلين على نفس شهادته، حتى داخله يأس شديد. ولكن زوجته أخذت تصلي وتتشفع بالبابا كيرلس السادس وكانت تقرأ كتب معجزاته وتطلب شفاعته.
 
وفي أحدى الليالي استيقظت الزوجة من النوم على حلم جميل : فقد رأت الشهيد العظيم مار مينا العجائبي، بوجهه الملائكي ولبسه المعتاد الذي كان كله من الذهب اللامع البراق. وقصت على زوجها هذا الحلم واستبشرا خيراً، ولم تمض أيام حتى استدعته إحدى المستشفيات التي كان قد تقدم إليها وأفادته قد تم قبوله للعمل بها.
 
وهكذا قام الشهيد العظيم مارمينا العجائبي بنجدتهم بمجرد استشفاعهم بحبيبه البابا كيرلس السادس.
 
الواقعة الثانية: تطلب مار مينا فيأتيها البابا كيرلس
السيدة أوديت صموئيل ، بمصر الجديدة،  تقول:
أُصبت بإرتفاع في درجة الحرارة. وكان تشخيص الأطباء إنه إلتهاب بالحلق، وعولجت بالمضادات الحيوية ولكن استمرت درجة الحرارة في الإرتفاع حتى وصلت إلى 40 ، وأصبت بقيء مستمر وصداع غير محتمل ، وحاول الأطباء تخفيض درجة الحرارة بالحقن والمضادات الحيوية ولكن دون جدوى. ومرت الأيام وأنا في هذه التجربة الطويلة حتى نقص وزني أكثر من أربعة وعشرين كيلو جراماً، وحار الأطباء في التشخيص، حيث رجحوا المرض على أنه تيفود أو بارا تيفود أو مرض في الكبد، وقرروا إعطائي عقار الكورتيزون لتخفيض درجة الحرارة، وكانت درجة الحرارة ما تلبث أن تنخفض ثم ترتفع مرة أخرى.
 
وكنت أبكي وأطلب من الله أن يرحمني وقلت "يا مار مينا أنت عملت معجزات كثيرة ليه ما بتعملش معايا معجزة وتشفيني..؟"  وحدث أني نمت  نوماً عميقاً أفقت منه على رؤيا جميلة: رأيت البابا كيرلس السادس يقف أمامي ويقول لي "مالك ومال مارمينا عيزه منه أيه ...؟ "أنا زعلانة منه لأنه عمل معجزات وأنا ما عملش معايا ولم يرد علي" فقال لي "ما تزعليش. أنت خلاص خفيتي" وأخذ يرشم جسدي كله من الرأس حتى القدمين وهو يبتسم، وفي الصباح إنخفضت درجة الحرارة إلى معدلها الطبيعي، وتماثلت للشفاء تماماً، وكنت مندهشة من هذه الرؤيا، إلى أن ذهبت إلى دير مار مينا بمريوط، وعرفت هناك مدى ارتباط الشهيد العظيم مار مينا بالبابا كيرلس السادس.
 
تذكر صاحبة تلك المعجزة أنها لم تكن تربطها بالبابا كيرلس علاقة ما ، ولا تعلم شيئاً عن العلاقة بين مار مينا والبابا كيرلس ، ترى هل كان مار مينا يهدف أن يكرم حبيبه الذي أذاع ونشر اسمه في أيامنا حتى لا تكاد تخلو عائلة من اسم مينا تبركا بالشهيد العظيم مار مينا الذي أذاع البابا كيرلس صيته وجذب أنظار الناس إليه؟
 
لقد سألها البابا كيرلس عندما حضر إليها "أنت عايزه إيه من مار مينا" فأفهمها أنه أتى نيابة عن مار مينا وبتكليف منه.
 
حقاً ما أعظم إكرام البابا كيرلس لشفيعه مار مينا ، وما أعظم إكرام مار مينا لحبيبه البابا كيرلس !
 
أليست صداقة القديسين هي طيب ينسكب على آلام الناس وجراحاتهم فيشفيها حقاً "ما أحسن وما أجمل أن يسكن الأخوة معاً مثل الدهن الطيب" (مز 133: 1).
 
+++
 
مار مينا في رسائل البابا كيرلس
تؤمن كنيستنا بشفاعة القديسين: سواء كان بالجسد على الأرض أو منتقلين إلى السماء. وتعتبر شفاعتهم جزءاً من عبادتنا ومن حياتنا على الأرض. فليس للكنيسة المجاهدة غنى عن معونة القديسين المنتقلين.
 
لم يرد في تاريخ الكنيسة، أنه كان هناك دير باسم الشهيد مار مينا، به رهبان يحملون اسم "آفا مينا". ولكن كان يوجد قبر الشهيد العظيم مار مينا بجهة مريوط، ثم بنيت حوله كنائس كثيرة وأماكن للإقامة والإستشفاء.
 
وبذا تأسست مدينة كبيرة تسمى مدينة "بومينا". فلأول مرة في تاريخ الكنيسة يقام دير باسم مار مينا ، به رهبان يحملون اسم "آفا مينا"، وذلك في عهد وعلى يدي البابا كيرلس السادس.
 
وهذا، لا شك، يعكس صلة وعلاقة غير عادية بين البابا كيرلس والشهيد العظيم مار مينا ، كما يؤكد أن هناك تعاملاً بين البابا كيرلس السادس وبين الشهيد مار مينا قد تخطى الحدود المألوفة للشفاعة المقبولة أو الطلبة المستجابة بل هو إكرام متبادل، وصداقة قوية وفيّة ، ومعايشة وتلازم، وظهورات لمار مينا ، يراه فيها البابا كيرلس رؤيا العين، ويتخاطب معه ويناقشه ، وبدالة الحب يرسله ليحل المشاكل هنا وهناك، فكان مار مينا جزءاً من حياة البابا كيرلس لا غنى له عنه ، ومعيناً وعضداً. ونرى البابا كيرلس يشهد بهذا شهادة الواثق مما يقول، فكان مار مينا دائم الحضور في حياة البابا كيرلس وعلى لسانه وفي رسائلة وخطاباته حتى يخيل إليك أنهما لا يفترقان.
 
فكم من مرة كان البابا يعلن عن معاونة مار مينا له في إتمام الأعمال الحسنة ، وتمجيد اسم الله القدوس: فكثيراً ما كان البابا يبدأ صلاته في دير مار مينا بالصحراء، وأنه أرسل صديقه مار مينا ليدلهم على الطريق، ويمر بعض الوقت وإذ بالوافدين يأتون مقرين أنهم ضلوا الطريق، وأن شاباً لطيفاً رافقهم إلى الدير ثم اختفى عنهم، أو أن حمامة صارت تظهر أمامهم في الصحراء وهم يتبعونها ثم غابت عنهم عند باب الدير.... وكم .... وكم من مواقف عديدة مماثلة.
 
وتظهر خطابات البابا كيرلس ورسائله ، قبل وبعد رسامته بطريركاً، حضور مار مينا في حياته ، وإليك بعض المقتطفات من الخطابات التي عثر عليها بخط البابا وهي خير شاهد على ذلك.
 
1 – ففي سنة 1950م يُظهر أبونا مينا المتوحد شوقه الزائد لبناء دير مار مينا وهو بعد راهب فقير، إذاً فبناء دير مار مينا كان، رغبة قديمة تتوق نفسه إلى تحقيقها وليس فكرة طارئة خطرت له بعد أن صار بطريركا، وظلت هذه الرغبة في نفسه ثابتة جياشة، تملك على مشاعره حتى صار دير مار مينا باكورة أعمال البابا كيرلس، فهو أول مشروع له، بدأ في تنفيذه بعد أن صار بطريركاً مباشرة: ففي خطاب له إلى أحد أحبائة سنة 1950 م كتب يقول:
 
"أنا آمل مقابلة يوسف سكرتير غبطة البطريرك وتهديه سلامي وصالح الدعوات، وتسأله ماذا تم في دير مار مينا ونحن على استعداد تام في تعمير هذا الدير إذا طلب منا رسميا من البطركخانة بدون أي مساعده مادية منهم والرب القادر يحقق أملنا في عمارة هذا الدير".
 
لا شك أن الراهب الفقير مينا المتوحد كان واثقاً من مساعدة الشهيد العظيم مار مينا له في بناء الدير وتعميره، لو سمحت له البطريركية بذلك.
 
2 – قام الراهب مينا المتوحد ببناء كنيسة مار مينا بمنطقة الزهراء بمصر القديمة وأسماها أيضاً ميناء الخلاص، وكان دائماً يقول أن مؤسس ميناء الخلاص هو الرب يسوع وأن مديره هو الشهيد العظيم مار مينا وذكر ذلك في خطاب له عام 1957 :
 
"وهذا الفضل كله يرجع لمؤسس ميناء الخلاص يسوع الحلو والسلام لمديرها مار مينا العجائبي".
 
3 -  وإليك ديباجة خطاب أرسله القس مينا البراموسي المتوحد في 6 يونيه 1944 حين كان رئيساً لدير الأنبا صموئيل المعترف ، وذكر في أن "المهتم بطلبات الدير وأحواله هو الشهيد مار مينا العجائبي".
 
وصار يردد ذلك في خطاباته التالية جميعاً مدة رئاسته للدير. فنرى نفس الديباجة في خطاب آخر له سنة 1944 وفيه يظهر أيضاً فضل الشهيد العظيم مار مينا ومعاونته له في العمل في دير الأنبا صموئيل المعترف، كما يتضح من أسلوب البابا كيرلس مدى الدالة والصداقة التي بينه وبين مار مينا فنراه يقول:
 
"وعم مار مينا جدع جداً وقام بخدمة عظيمة لأنبا صموئيل إذ شرع في بناء كنيسة صغيرة في عزبة الدير إذ أن الكنيسة الموجودة أصبحت معرضة للسقوط" أليس هذا كلام من يرى بعينيه؟
 
4 -  وفي عام 1945 في أول صوم السيدة العذراء يرسل خطاباً لأحد أحبائه جاء في ديباجته،
( شيري بي أجيوس آفا مينا بي مار تيروس) السلام للقديس مارمينا الشهيد.
 
5 – وبعد أن صار أبونا مينا المتوحد "بطريركاً ، كتب إلى أحد أحبائه في 22/11/1962 قبل عيد مار مينا بيومين يظهر ثقته بعجائبه فيقول:
 
"اليوم عيد الملاك الجليل ميخائيل شفاعته تكون معكم وتخلصكم، عيد مار مينا يوم السبت وهو ملقب بالعجائبي يصنع معنا أعجوبة ويحل المشاكل".
 
6 – ولم يكن أبونا المتوحد (البابا كيرلس فيما بعد) متعصباً أو متحيزاً لمار مينا، بل كان صديقاً لجميع القديسين ، إذ القداسة الحقيقية لا تعرف التعصب، كما يقول معلمنا بولس الرسول لأهل كورنثوس، عندما كان الواحد منهم يقول أنا لبولس والآخر أنا لأبلوس "إذ فيكم حسد وخصام وأنشقاق الستم جسدين" (1كو 3:3).
 
فيذكر في خطاب له بتاريخ 2/2/1944 : "وسلام الرب على مارمينا البطل الشجاع ومار جرجس البطل الهمام ونعم أن القديس الأنبا صموئيل القديس العظيم سلام الرب عليه دعانا لهذه الخدمة".  
 
فيذكر في خطاب له بتاريخ 7/2/1944: "تجد الشهيد العظيم مار جرجس ومار مينا والقديس العظيم الأنبا صموئيل اتفقوا معاً اتفاقاً واحداً في مساعدتنا وتقديم طلباتنا أمام عرش النعمة".
 
كما يذكر أيضاً في خطاب آخر بتاريخ 18/3/1960 بعد أن صار بطريركاً: "أكتب إليكم هذا من دير مار مينا العجائبي (ميناء الخلاص) قبل إقامة القداس الإلهي متضرعاً إلى مراحمه العظيمة وبشفاعة القديسة مريم والدة الإله ومار مينا الشهيد العظيم أن يحافظ عليكم جميعا...".
 
7 – كان اسم مار مينا محبباً إلى قلب أبينا الأنبا كيرلس. وكان هذا الاسم يثير في نفسه دائماً حنيناً خاصاً، تأمل ماذا كتب بعد أن صار بطريركاً، وبدأ بتعمير دير مار مينا، وأحاطت به أمجاد البطريركية وأبهتها، تأمل ماذا يقول:  "اليوم توجهت إلى دير مار مينا بمصر القديمة ، هناك تذكرنا الأيام الأولى وكم كان سرورنا وتعزيتنا في هذا المكان المبارك".
 
وقد صدر هذا الخطاب كعادته بآية جميلة: "أصعد إلى الجبال العالية يا مبشر صهيون ونادى بالسلام في حصونها" ، نعم، ماذا كنت ترى يا أبانا الطوباوي في كنيسة مار مينا بمصر القديمة... ((هذه الكنيسة أنشئت عام 1947 في منطقة غير عامرة تقع تحت سفح جبل المقطم وكانت ولا تزال متواضعة جداً في مظهرها الخارجي، ولكن كان البابا كيرلس السادس يراها بعينيه الروحيتين أنها وأن كانت متواضعة في مظهرها إلا أنها في الحقيقة مرتفعة جداً أعلى من الجبال))! هل كنت تراها فوق الجبال العالية ؟! أي أنها شابهت ربها ، الذي وهو في السماء كل حين، أعلى من كل الخليقة، تراه وديعاً متواضعاً يمشي على أرضنا. هل كانت نفسك ترى عظمة قداسة بيت الله؟! "الكنيسة بيت الملائكة"، فكانت تعلو في حسك فوق كل الجبال، وكنت تراها ميناء للخلاص وحصناً للسلام لكل من يأوي تحت ظل أسرارها.
 
العجائب والمعجزات
 
"لأن ملكوت الله ليس بكلام بل بقوة" (1كو 4: 20).
العجائب والمعجزات تلازم الكنيسة في كل زمان ومكان:
قال الرب يسوع إن الآيات تتبع المؤمنين (مر 16 :17).
 
كما قال أيضاً: "من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً ويعمل أعظم منها" (يو 14: 12).
وقال أيضاً "لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم" (مت 17: 20).
 
كما قال "وأدعني في يوم الضيق أنقذك فتمجدني" (مز 50 : 15).
 
من هذا يتضح أنه حيثما وجد الإيمان والمؤمنون فهناك يصنع الله آيات كثيرة.
 
العجائب والمعجزات هي من عمل روح الله:
قال الرب يسوع لليهود "إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله" (مت 12: 28).
 
وقال معلمنا بولس "فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد.... فإنه لواحد يُعطى بالروح كلام حكمة.... ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد ولآخر عمل قوات ولآخر نبوة.... ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسماً لكل واحد بمفرده كما يشاء" (1كو 12: 4 – 11).
 
من هذا النص نلاحظ: أن هناك اناساً في الكنيسة أعطاهم الله السلطان أن يشفوا المرضى، ويخرجوا الشياطين، ويعملوا قوات ...، وهذه كلها يعملها الروح القدس: "شاهداً الله معهم بآيات وعجائب وقوات متنوعة ومواهب الروح القدس حسب إرادته" (عب 2: 4).
 
العجائب والمعجزات هي برهان الروح والقوة:
يقول معلمنا بولس الرسول "وأنا لما أتيت إليكم أيها الأخوة أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة منادياً لكم بشهادة الله ... وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح والقوة لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله" (1كو 2: 1 – 4).
 
فالآيات والمعجزات تشهد لصاحبها أن الله معه وهو ما يقصده بولس الرسول بقوله برهان الروح والقوة، وهي أعمال قوية تفوق قدرة البشر ، يصنعها روح الله ، وتشهد لمن أجريت على يديه أنه مرسل من الله فهي من علامات الرسالة "إن علامات الرسول صنعت بينكم في كل صبر بآيات وعجائب  وقوات" (2كو 12: 12).
 
فالآيات هي أعمال يجريها الله على أيدي رسله وأنبيائه وقديسيه، تشهد لهم بصدق رسالتهم وصحة إيمانهم، ولها قوتها التي لا غنى عنها "لأن ملكوت الله ليس بكلام بل بقوة" (1كو 4: 20).
 
إذاً الآيات والمعجزات هي لغة فائقة يخاطب الله بها البشر ولا يستطيع أحد غيره أن يتكلم بها ، وأعطى أناساً مختارين أن يتكلموا بها لإرشاد الناس إلى الإله الحقيقي.
 
فحينما أرسل الله موسى إلى بني إسرائيل زوده بالآيات الباهرة لكي يثبت لهم: أن الله أرسله لخلاصهم (خر 4: 1 –9).
 
فهي برهان الروح والقوة الذي تكلم به موسى وبهذه اللغة عينها تكلم موسى مع فرعون حتى أخرج بني إسرائيل من عبوديته.
 
وحينما أرسل الرب يسوع تلاميذه إلى كل موضع كان مزمعاً أن يذهب إليه ، أعطاهم أن يتكلموا بهذه اللغة( لغة الآيات والمعجزات) حتى يؤمن الناس بتعاليمهم إذ قال لهم "أشفوا مرضى طهروا برصاً. أقيموا موتى أخرجوا شياطين" (مت 10: 8) فرجعوا فرحين متعجبين قائلين له "حتى الشياطين تخضع لنا باسمك" (لو 10: 17).
 
وحينما قُدم للسيد المسيح له المجد رجل مفلوج، قال له "مغفورة لك خطاياك (مت 9: 2) فتذمر عليه الكتبة والفريسيون ، وقالوا أنه يتكلم بتجاديف، من يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده؟  ولكن الرب يسوع قدم لهم المعجزة التي يستطيعون أن ينظروها لكي يثبت بها الأمر الذي لا يستطيعوا أن ينظروه: وهو غفران الخطية ، فقال للمفلوج "قم أحمل سريرك واذهب إلى بيتك" (مت 9: 6)، فقام في الحال وحمل سريره ومشى ، فلو كان رب المجد مجدفاً ، كما قالوا ، لما استطاع أن يجري هذا العمل الاعجازي، وبذا ثبت لهم أن له سلطان مغفرة الخطايا على الأرض.
 
الله يريدك أن تلجأ إليه:
يفرح الله بأولاده عندما يقصدونه في أمراضهم وضيقاتهم طالبين الشفاء والخلاص وهو الذي قال "أدعني في يوم الضيق أنقذك فتمجدني" (مز 50: 15) وقال أيضاً "تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا اريحكم" (مت 11: 28).
 
ولكنه يحزن جداً عندما يجد أن أبناءه ينسونه في أمراضهم وضيقاتهم ويلجأون لغيره قبل أن يأتوا إليه، فها هوذا الكتاب المقدس يعيب على آسا الملك لأنه في مرضه طلب الأطباء ولم يطلب الله مع أنه قد سبق له أن اختبر قوة الله العظيمة معه للخلاص في الحروب "مرض آسا في السنة التاسعة والثلاثين من ملكه في رجليه حتى اشتد مرضه وفي مرضه أيضاً لم يطلب الرب بل الأطباء" (2 اي 16: 12).
 
فالله يريدك أن تلجأ إليه أولاً كما يقول يشوع ابن سيراخ في سفره "يا بني إذا مرضت فلا تتهاون بل صل إلى الرب .... ثم أجعل موضعاً للطبيب" (يشوع بن سيراخ 38 : 9 ، 12) "لأن عيني الرب تجولان في كل الأرض ليتشدد مع الذي قلوبهم كاملة نحوه" (2أي 16: 9).
 
وهاك باقة من المعجزات التي تنطق برحمة الله وحنانه والتي تشهد أن الله يمجد قديسيه ويقبل شفاعتهم، كما نستشف منها ايضاً، أن قراءة سير القديسين كانت سبب نوال بركة هذه المعجزات.
 
إليك أيها القارئ الحبيب بعض من المعجزات كما رواها أصحابها ، والتي يظهر فيها التلازم العجيب بين مار مينا والبابا كيرلس ، هذ التلازم الذي يعجز عن وصفه كل لسان!!
 
شفاء الذبحة الصدرية:
السيدة/عزيزة صليب ، استراليا، تقول:
تقدمت لسفارة استراليا بالقاهرة لأجراء المقابلة لأجل إنهاء أوراق الهجرة للحاق بباقي أفراد أسرتي باستراليا. وفي اثناء ذلك أصبت بذبحة صدرية ولزمت الفراش كأمر الأطباء. وابتدأت تمر أمامي صور العقبات التي ستواجهني بسبب هذا المرض عندما أتقدم للكشف الطبي في السفارة. فتوجهت لحبيبتي أم النور مريم وحبيبها الشهيد العظيم مار مينا العجائبي وحبيبه البابا كيرلس السادس وأخذت أتشفع بهم ، وفي الصباح استيقظت على رؤيا جميلة:
 
لقد ظهرت لي السيدة العذراء ومعها الشهيد مار مينا العجائبي والبابا كيرلس السادس وقامت العذراء مريم بالكشف على صدري بالسماعة وقالت "الذبحة راحت" وكذلك قام الشهيد مار مينا العجائبي بوضع السماعة أيضاً على صدري وقال "الذبحة راحت" ونظر إلي البابا كيرلس وقال لي "ما تبكيش تاني لأن الذبحة راحت".
 
وقمت فعلاً وقد تماثلت للشفاء ونجحت في الكشف الطبي. ولحقت بأولادي هناك، ووجدت كل منهم يروي مشاكله. فتوجهت إلى حبيبي البابا كيرلس السادس وبكيت أمام صورته وتشفعت به عند حبيبي الرب يسوع المسيح له المجد ، فظهرت لي رؤيا جميلة:
 
رأيت البابا كيرلس السادس قد حضر عندي وقال لي "أنت صعبانة علي لأنك طول عمرك بتبكي كثير ولكن الرب يسوع ينجيك ويحل كل مشاكلك" وفعلا ابتدأت كل المشاكل تحل بطرق إعجازية.
 
شفاء المياه البيضاء بالعين"
وتستطرد السيدة/عزيزة صليب فتقول:
حضرت إلى مصر بعد غيبة. وكانت عيناي بهما مرض (المياه البيضاء) فتوجهت إلى دير مار مينا بمريوط وأنا أصرخ وأقول "يا مار مينا كن معايا واشفع فيّ".
وعلى باب الدير وجدت راهباً شاباً أعطاني زيتاً في زجاجة وقال لي "ادهني عينيك بهذا الزيت والرب يشفيك".
ودخلت الدير وزرت مزار الشهيد مار مينا العجائبي ومزار البابا كيرلس السادس وطلبت من أحد أباء الدير أن يدهني بهذا الزيت ، فشعرت بالراحة وبدأت أشعر بالشفاء.
ثم سافرت بعد ذلك إلى استراليا وظهر لي البابا كيرلس السادس في رؤيا وقال لي:
"مار مينا كان مستنيكي في الدير وأعطاك زيتاً وقالك أرشمي عينيك به أنت دلوقتي عينيك كويسة" وفعلاً استيقظت من النوم ووجدت أن عيني قد اكتمل شفاؤهما وأصبحتا وكأن لم يكن بهما أي مرض من قبل.
 
شفاء مولود أعمي:
السيدة/ن. ز. ح. بوسطن ، أمريكا، تقول:
حدثت المعجزة التالية في شهر يوليه 1990 حيث كنا في حاجة إلى تغير شبكة كهرباء المنزل. فاتصلنا بكهربائي، وحضر للمعاينة وفي سياق الحديث علمنا منه أنه قد رزق بطفل أعمى عمره الآن ثلاثة أشهر  وأسمه راين كارلس. واكتشف أنه أعمى عندما لاحظت اسرته أن عينيه لا تتأثران مطلقاً بضوء فلاش الكاميرا مثل باقي الأطفال عند التقاط الصور له وعندما عرض الطفل على الأطباء ، قرروا أنه أعمى 100% وأنه لا فائدة من العلاج. وكان الأب يبكي وحزيناً جداً وهو يذكر لنا هذه القصة.
فطلب مني زوجي أن أعطيه زجاجة من زيت مار مينا (بركة صلواته تكون معنا) فاعطيته زجاجة بعد أن دهنت بها عيني ابني أمامه كي يطمئن قلبه. وقلت له "ادهن بها عيني الطفل كل يوم والزيت ده مقدس وفيه بركة" وأعطيته أيضاً صورة للشهيد مار مينا ليضعها تحت رأس الطفل.
وتم الاتفاق أن يحضر طرفنا لبدء الأعمال الكهربائية بعد عشرة أيام. ولكنه لم يحضر في الميعاد المحدد فقمنا بالاتصال به، فاعتذر عن عدم حضوره لأنه انشغل بابنه ، الذي لاحظ عليه انه بدأ يتابع حركة الأشياء وابتدأ يرى.
أنه وإن كانت هذه المعجزة لم تحدث لي. أو لأحد من أفراد اسرتي إلا أنني أشعر أنه من الواجب عليّ أن اسجلها لأفي جزءاً من الدين الذي عليّ لمار مينا والبابا كيرلس بركة صلواتهما تكون معنا آمين.
 
مار مينا ومار جرجس يشفيان الشلل:
بطرس متى بطرس، الورديان، الاسكندرية، يقول:
حدثت مشاكل عائلية في أسرتي وأصبت بعدها بشلل في وسط جسمي حتى فقدت الإحساس الكلي بنصف جسمي الأسفل. ودخلت في دوامة موحشة من التفكير مصحوبة بالألم والبكاء ، فلدي أسرة مكونة من زوجة وأطفال وقد أصبحت عاجزاً عن السعي لإعالتهم، وكان الأصدقاء والأقرباء يواسونني مما كان يزيد من حسرتي وآلامي النفسية ، وترددت على العديد من الأطباء حتى أنفقت كل ما أملك، بل واستدنت من أصدقائي، ولكن دون فائدة.
 
وأخيراً ، أشار علي أحد أطباء الاسكندرية المشهورين أن أعالج بجهاز يوضع على الساقين لتنبيه الأعصاب . وفعلاً، خضعت لنصيحته واستسلمت لهذا النوع من العلاج رغم تكاليفه الباهظة بالإضافة إلى ما تكبدته من مشقة، فقد كنت أحمل ذهاباً وأياباً من منزلي إلى عيادة الطبيب. وقد كان هذ يكلفني في اليوم الواحد أكثر مما أتقاضاه من عملي في شهر كامل. وكنت أتضرع إلى الله بالبكاء كل يوم ولا من تعزية.
وبعد ثلاثة أيام من هذا العلاج الباهظ، ابتدأت أحس برجلي واستطعت أن أقف عليهما ولكن كطفل يتعلم المشي. وفعلاً، أمرني الطبيب بالمشي ولو كطفل. وكان أصدقائي يحضرون كل يوم لمساندتي حتى أستطيع المشي في الحجرة، وأنزل سلم المنزل وأمشي قليلاً في الشارع، وكان كل من يراني في الطريق ينظر لي ويتحسر، وربما كان هذا بترتيب من الله، حتى يشاهد الجميع هذا المريض الذي سيشفى بأعجوبة، وكنت أسير كل يوم كمن يعاني من شلل رعاش وسط أصدقائي الذين يحضرون لمساندتي.
وكنت في وسط كل ذلك أصرخ للرب يسوع المسيح وللقديسة العذراء مريم والشهيد العظيم مار جرجس، والشهيد مار مينا العجائبي والبابا كيرلس السادس، وكل القديسين، وكانت فترة المرض هذه ، رغم آلامها المرة، فترة تقربت فيها إلى الله، الذي كنت قبلاً مشغولاً عنه وعن تنفيذ وصاياه والذهاب إلى الكنيسة.
وفي يوم، زارني صديق وأعطاني زيتاً أحضره معه من دير مار مينا اثناء زيارته للدير فأخذته ووضعته تحت وسادتي، وبعد خروجه زارني زميل لي في العمل وأعطاني أطياباً للشهيد العظيم مار مينا العجائبي كان قد أحضرها أيضاً من دير مار مينا بمريوط، وبعد ذلك حضر زميل ثالث وأعطاني صليباً قد أحضره من دير مار مينا أيضاً.
وهنا اندهشت: إذ حضر الثلاثة في يوم واحد وبدون اتفاق سابق. وتأملت في منزلي فلم أجد به صورة للشهيد مار مينا بالرغم من وجود صور للعديد من القديسين.
وفي هذا اليوم الذي زارني فيه هؤلاء الأصدقاء الثلاثة، ساندتني زوجتي ودخلت للاستحمام وقامت زوجتي بدهان جسمي كله بالزيت الذي أحضره صديقي من دير مار مينا بمريوط، كما وضعت لي منه بعض النقط على كوب ماء وأعطتني فشربته، ثم ساعدتني إلى أن وصلت إلى حجرتي، وجلست على سريري حتى نصلي معاً قبل النوم. ولكنني لم استطع من شدة التعب والارهاق فاستأذنتها واستغرقت في نوم عميق. أما هي فسهرت بجواري تصلي بدموع وتتشفع بالشهيد مارمينا العجائبي وكان ذلك ليلة أحد الشعانين سنة 1988. وفي حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وأنا بين اليقظة والنوم، رأيت ضوءاً عجيباً ملأ أرجاء الحجرة ورأيت قرصاً كقرص الشمس، أبتدأ يكبر، ثم خرج منه جمل صغير وعمل حركة صليب، ثم رفع رجليه وقفز فوق السرير ووقف فوقي، وأخذ يضغط علي بقدميه فأخذت أصرخ قائلاً "حوشوا الجمل". وسمعت زوجتي صوتي فأخذت تنبهني ولكن دون جدوى.
بعد ذلك فوجئت بخروج حصان من نفس القرص الذي خرج منه الجمل. وكان الحصان أبيض بلون سماوي، وأشار الحصان للجمل فنزل من فوقي، وصعد الحصان فوقي وأخذ يضغط بقدميه على جسمي. فأخذت أصرخ قائلاً: "حوشوا الحصان". وبعد ذلك نزل الحصان وصعد الجمل مرة أخرى، وأنا أصرخ وزوجتي تبكي، مدركة أن الجمل هو جمل مارمينا والحصان هو حصان مار جرجس.
وأخذت تصرخ متشفعة بهما وتوقظني من نومي إلى أن أفقت وقمت أجري وراء الجمل والحصان، وفتحت باب الحجرة وباب المنزل وأسرعت وراءهما في الشارع حوالي مائتي متر وأنا في حالة اللاشعور، وكنت أصرخ وأقول "الجمل والحصان"، وهما يجريان أمامي في الطريق وأنا أجرى وراءهما محاولاً اللحاق بهما حتى استوقفني أحد الخفراء الموجودين في جراج قريب. وهدأ من روعي كأني مجنون، ولحقت بي زوجتي، واستيقظ بعض الجيران، واندهش الجميع من وقوفي بمفردي بدون مساندة أحد وأخذ الجميع يهللون والنساء يزغردن، حتى استيقظ جميع الجيران الذين رأوني من قبل وأنا مشلول، فأخذت أصيح قائلاً: مار جرجس شفاني ، مار مينا شفاني، والجميع يتعجبون من وقوفي في وسطهم وهم مندهشون من كلامي عن هؤلاء القديسين.
وفي الصباح ذهبت إلى كنيسة الشهيد مار جرجس بالمكس وكشفت ظهري للناس، فكانت آثار حوافر الحصان وخفي الجمل واضحة في ظهري، وظلت هذه العلامات في ظهري مدة طويلة وذهبت إلى دير مار مينا، وشكرت الرب، وعملت تمجيداً كبيراً للشهيد العظيم مار مينا العجائبي والشهيد العظيم مار جرجس الروماني، وعادت إلي صحتي، وعدت لعملي وسط دهشة الجميع، وعلقت صورتي الشهيد مار مينا وحبيبه البابا كيرلس على جدران حجرتي والمجد لله.
+++
(ومن الخطابات التي عثر عليها بخط البابا كيرلس من حياة مار مينا)
بسم الله
بسم الآب والأبن والروح القدس إله واحد له المجد إلى الأبد آمين
نبتديء بعون الله وحسن توفيقه بنسخ تاريخ حياة الشهيد العظيم مار مينا العجائبي من أقوال آباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بركته المقدسة وشفاعته المقبولة أمام يسوع المسيح إلهنا تحافظ علينا وتخلصنا
 
مقدمة
الحمدلله الذي تحنن علينا وباركنا ، وأنار بوجهه علينا . وعرفت في الأرض طريقه، وعلم في كل الأمم خلاصة مز 67: 1 و 2، نشكره ونمجد اسمه القدوس باطنا وظاهراً ، ولا ننسى كل حسناته لأنه غفر جميع ذنوبنا وشفى كل أمراضنا وفدى من الحفرة حياتنا مز 103: 4. أما بعد+
 
فلما كانت الكتب المقدسة تأمرنا أن نتحدث دائماً بذكر عجائبه تعالى. إذ قال الله تعالى على لسان مرنم إسرائيل، أصغ يا شعبي إلى شريعتي، أميلوا آذانكم إلى كلمات فمي: أفتح بمثل فمي. أذيع الغازاً منذ القدم التي سمعناها وعرفناها وآباؤنا أخبرونا بها. لا تخفي عن بنيهم إلى الجيل الآخر مخبرين بتسابيح الرب وقوته وعجائبه التي صنع التي أوصى آباءنا أن يعرفوا بها ابناءهم ، لكي يعلم الجيل الآخر. بنون يولدون فيقومون ويخبرون ابناءهم فيجعلون على الله اعتمادهم ولا ينسون أعمال الله بل يحفظون وصاياه مزمور 78 : 1 – 7
 
ولما كانت هذه العجائب يجريها الله دائماً على أيدي قديسيه فآياته بمصر (خروج ص 7 :2) ، وشق البحر الأحمر (خروج ص 14)، وجميع القوات التي أجراها في البرية ويسمعكم الصوت الفرح القائل تعالوا إلي يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم من قبل إنشاء العالمين ويجعل باب بيعته مفتوحاً في وجوهناعلى ممر الدهور والسنين ، ويخذل ويزول سائر الأعداء والمناصبين والأشرار المقاومين لها والمعاندين وأن يحفظ لنا وعلينا حياة وقيام الآب المكرم الفاضل والقديس المعلم الفاضل العالم آب الأيتام وقاضي الأرامل المختار من الله الحبر الكامل راعي الرعية المرقسية لسان التعاليم البولسية وتاج بني المعمودية أبينا ورأسنا ورئيسنا الساهر عن خلاص نفوسنا السيد الأب البطريرك فلان بطريرك المدينة العظمى الاسكندرية والديار المصرية والحبشة والنوبة والخمس مدن الغربية إلى السماء يثبته على كرسيه سنيناً عديدة وأعواماً متصلة مديدة صافية من الهم والغم والأكدار وخالصه من الخطايا والأوزار بشفاعة الست السيدة مرتمريم طهر الأطهار والشهيد الجليل العظيم المقدار مار مينا العجائبي صاحب هذا التذكار وكافة الشهداء والقديسين والأبرار والسواح والمجاهدين قفوا بخوف من الله وانصتوا لسماع انجيله المقدس فصل شريف من بشارة معلمنا (....) البشير بركاته على جميعنا آمين
تم وكمل بسلام من الرب كتاب تاريخ حياة الشهيد العظيم مار مينا العجائبي وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب في يوم الاثنين الموافق 26 مسرى سنة 1657 ألف وستماية سبعة وخمسون للشهداء الأطهار السعداء الأبرار نفعنا الله بقبول طلباتهم آمين وهذا الكتاب وقف على بيعة الشهيد العظيم مار مينا العجائبي بالجبل الشرقي بمصر القديمة شفاعته تكون معنا والناقل الحقير المقر بالعجز والتقصير المدعو بالاسم القس مينا المتوحد أحد رهبان دير السيدة العذراء براموس بوادي النطرون وقد صار نقله من كتاب مطبوع تاريخه 16 هاتور 1622 للشهداء))
 
أبناء البابا كيرلس السادس
EL/4 Oct.2004

 

 
"الصانع ملائكته رياحاً وخدامه ليب ناراً تلتهب"
 
سبحوه يا جميع ملائكته، سبحوه يا كل جنوده (مز 148).
خلق الله الملائكة لتخدمه، ومن فرط محبته للإنسان – الذي خلقه على شبهه ومثاله – جعل للملائكة دوراً في خدمة بني البشر.
 
(أ‌)         قيامها ببعض الخدمات:
+ "ها أنا مرسل ملاكاً أمام وجهك ليحفظك في الطريق" (خر 23: 20)
+ "لأن ملاكاً كان ينزل أحياناً في البركة ويحرك الماء" (يو 5: 4)
+ "وأنا متكلم بعد بالصلاة إذا بالرجل جبرائيل .. لمسني.. وقال: يا دانيال إني خرجت الآن لأعلمك الفهم" (دا 9: 21)
 
(ب‌)    إبلاغها البشري لبني البشر:
+ "سلام لك أيتها المنعم عليها ... ها أنت ستحبلين وتلدين إبناً وتسمينه يسوع" (لو 1: 28، 31)
+ "فقال له الملاك لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت وإمرأتك اليصابات ستلد لك إبناً" (لو 1: 13)
+ "فقال لهم الملاك لا تخافوا فها أنا أبشركم بفرح عظيم ... إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب" (لو 2 : 10 ، 11)
 
(ج) قيامها بالحراسة والإنقاذ:
"ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم" (مز 34: 7)
قول يعقوب "الملاك الذي خلصني من كل شر" (تك 48: 16)
"إلهي أرسل ملاكه وسد أفواه الأسود" (دا 6: 22)
"لأنه وقف بي هذه الليلة ملاك الإله الذي أنا له والذي أعبده قائلاً لا تخف يا بولس" (أع 27: 23)
 
(د) شفاعتها عنا أمام الله:
"فأجاب ملاك الرب وقال يا رب الجنود إلى متى أنت لا ترحم أورشليم ومدن يهوذا، لذلك هكذا قال الرب قد رجعت إلى أورشليم بالمراحم...." (زك 1: 12، 11)
 
 
وتؤمن الكنيسة الأرثوذكسية برئاسة الملاك ميخائيل لجميع طغمات الملائكة وأنه ملاك القيامة الذي بشر النسوة حاملات الطيب قائلاً لهن المسيح قام من الأموات.
 
والذي بين أيدينا هو مخطوط قديم وجد بأحد الأديرة عن عجائب وميامر رئيس الملائكة ميخائيل، وتمشياً مع هدف الكنيسة في هذه الأيام – هدف تزويد شعبها بالكتابات الأرثوذكسية... حتى نثق بإيمان في شفاعة رئيس الملائكة ميخائيل الذي يظهر في أماكن كنسية ويعلن مجد الرب، وبشفاعته وقوته ثم شفاء الكثير من الناس علاوة على خروج الأرواح النجسة من كثيرين.
 
وفقنا الله، بشفاعة رئيس الملائكة ميخائيل، وكلية الطهر والدة الإله السيدة العذراء ، وصلوات أبينا الطوباوي الأنبا شنوده بابا وبطريرك الكرازة المرقسية – إلى كل ما فيه خير الكنيسة.
 
تقليد قديم: وكان هناك تقليد تسلمناه من آبائنا الأوائل . هو التذكار الشهري لرئيس الملائكة الجليل ميخائيل – حيث تقام القداسات وتتعاظم الاحتفالات وتنحر الذبائح وتتكاثر التقدمات وتجهز الولائم لأشباع البطون الخاوية لاسيما أخوة الرب الفقراء ويتخلل تلك المهرجانات قراءة "الميامر" بأنغام روحية كنسية.
 
إن اسم ميخائيل هو "من مثل الله"، نعم في كل معجزة يصنعها الجليل ميخائيل رئيس الملائكة نمجد الله ونقول " من مثل الله" !!!
 
يتمجد أسم الرب القدوس حين يعلن الله عجائب ومعجزات تظهر ببركة رئيس جند الرب ميخائيل وهي كثيرة في أيامنا الحاضرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر شفاء أمراض جسدية ، إخراج أرواح شريرة ، إبطال أعمال السحر، فك المربوطين والمقيدين وهذه المعجزات تمت في جيلنا المعاصر... إنها ظواهر كثيرة تمت في حبرية البابا شنودة الثالث مثل ظهور العذراء القديسة مريم ومعجزاتها في كنيسة القديسة دميانة بأرض بابادوبلو وأماكن كثيرة...
 
الأعجوبة العظيمة التي لرئيس الملائكة ميخائيل (12 هاتور) مع دوروثاؤس وثاؤبسته زوجته للأنبا ثاؤدسيوس
.. وذلك أنه كان إنسان أرخن ساكناً بسنهور المدينة يسمى "دوروثاؤس ، وله زوجة مؤمنة تسمى "ثاؤبسته"، هذان كانا بارين تقيين محبين للصدقة والمعروف ، كاملين الرحمة والمحبة، وكانت لهما قرابين عظيمة على اسم الله ورئيس ملائكته الأطهار ميخائيل ، وكان والدهما قد ترك لهما إرثاً عظيماً وأموالاً عظيمة مع أعداد كثيرة من الغنم والبقر مع بقية زينة هذا العالم، وكان الإثنان إذا بلغا اليوم الثاني عشر من كل شهر يهتمان بالقرابين من باكر اليوم الحادي عشر ويرسلانها إلى بيعة رئيس الملائكة ميخائيل بنشاط عظيم بغير توان، ويهتمان بعد ذلك بذبح الأغنام ويصنعان الطعام للشعب ويدعوان الفقراء إلى منزلهما بعد القداس الإلهي، ويجمعان كل المعوزيين الأيتام والأرامل والغرباء، والعرج والعمي ويخدمانهم بنشاط وسعة روح وفرح قلب حتى ينتهي الأكل، وبعد زمان قل مالهما ولم يبق منه سوى القليل. فلما كان الحادي عشر من شهر بابه قال المبارك دوروثاؤس لزوجته لماذا يا أختى أنت متغافلة ولم تهتمي بالعيد كالعادة أما تعلمين أن الغد تذكار رئيس الملائكة الطاهر ميخائيل، فقالت له زوجته المباركة... حي هو الرب يا أخي إن هذا الفكر من قلبي من أمس ولكنني لم أجد جسارة أن أسألك لأني أعلم الحال، والآن عظيم هو فرحي لأنك لم تنس قربان الله، فاصنع يا أخي كما قلت. فلما كان الثاني عشر من شهر هاتور قاموا سحراً جداً، وأكملا جميع خدمتهما ولم ينقصا شيئاً عن زمن سعتهما وقدما قليل دقيق ويسيراً من الخمر للبيعة، وبعد إنتهاء القداس الإلهي دعوا الشعب كالعادة إلى منزلهما وقدما لهم ما هيآه من الطعام وأطلقوهم بسلام.
 
وبعد ذلك فني جميع ما كان لهما ولم يبق لهما غير ثياب العرس فقط ومع هذا كله كانا يمجدان الله ورئيس الملائكة ميخائيل، وأنهما قام الإثنان وصليا هكذا قائلين .... يا ربنا يسوع المسيح إغفر لنا وأعنا يا رئيس الملائكة ميخائيل، وأطلب إلى الله لأجلنا أن يفتح لنا يد بركته ، لكي لا ينقطع منا رجاء صدقتك وقربانك هذا الذي نعطيه الله بإسمك الطاهر يا رئيس الملائكة ميخائيل أنت تعرف نيتنا الصادقة في محبتك، ونحن ليس لنا شفيع غيرك، أنت معين لنا منذ صغرنا وإلى الأبد، فلتشفع فينا عند الله ليخلصنا ، نحن الآن نسألك يا مهتم وصالح يا شفيعنا الطاهر ميخائيل إن كان هذا الحزن العظيم لا بد أن يكون لنا في أخرتنا بعد العهود التي قررناها معك بين يدي الله فإن قربانك وصدقاتك لله باسمك لا تنقطع منا فلتدركنا رأفتك يا شفيعنا رئيس الملائكة ميخائيل أنت ترى ما قد حل بنا من الذل والمسكنة والفقر والفاقه وذلك من أجل خطايانا، جيد لنا أن نموت أفضل من أن نعيش في هذه المسكنة العظيمة .. والآن نحن نظهر ضيقتنا أمامك يا رئيس الملائكة ميخائيل مدبر النفوس السائل في الخليقة لا تغفل عنا يا سيدي كما هو مكتوب أن ملاك الرب يحوط بخائفيه ويخلصهم ..، ويقول داود النبي أيضاً.. البار يطلب الخبز النهار كله والرب يرحم ويعطي، فهوذا الآن ترى يا شفيعنا ميخائيل رئيس قوات السماء أننا نحن عبيدك قد تمسكنا جداً، أعنا يا الله مخلصنا يا رجاء أقطار الأرض كلها ، وأيضاً يقول ... نشكر الرب لأن الرب أعطى والرب وأخذ فليكن اسم الرب مباركاً إلى الأبد ومشورة الرب تكون. أمين.
 
وكان هذان القديسان "دوروثاؤس وثاؤبسته" زوجته يقولان هكذا وهما مداومان على الصلاة والطلبة إلى الله والتشفع برئيس الملائكة ميخائيل فلما بلغا إلى الوقت الذي عادتهما أن يهتما فيه بالقربان لأجل العيد كلم دوروثاؤس زوجته قائلاً: لماذا أنت يا أختى جالسة ، قومي الآن واهتمي بالعيد هل نسيت القربان المقدس، أو ثقل عليك ذكر رئيس الملائكة الأطهار ميخائيل. وأن الطوباوية ثاؤبسته أجابت بعلها قائلاً .. حسناً أتيت إلي بهذه البشارة يا أخي الحبيب الذي ذكرت اسم رئيس الملائكة ميخائيل بالحقيقة أن من باكر النهار لم تنقطع عني الدموع وإلى الآن ، ونار تتقد في أحشائي من أجل اهتمامي بعيد رئيس الملائكة الأطهار ميخائيل. فالآن أنظر يا أخي ماذا نصنع لئلا ينقطع رجاء صدقتنا بين يدي الله لأن مصباح الشريعة بولس الرسول يقول في رسالته .. من إبتدأ بعمل صالحاً يكمله إلى يوم ظهور ربنا يسوع المسيح. أجابها دوروثاؤس قائلاً .. أنه لم يبق لنا شيء إلا خروف واحد ولكن مشيئة الله تكون. جيد لنا أن ندفع قليلاً من أن لا ندفع شيئاً، وهوذا لنا ثوبان آخذ ثوبي وأشتري به قمح القربان، وإذا كان باكر آخذ ثوبك وأشتري به أيضاً خروفاً آخر، وكانا يقولان هكذا وهما يبكيان بكاء شديداً، وأنه قام مسرعاً وفعل كذلك فرهن ثوبه عن القمح للقربان وكان هذا في الحادي عشر من شهر هاتور، ولما كان باكر اليوم الثاني عشر أخذ الثوب الذي لزوجته ومضى وهو يدعو الله ورئيس ملائكته الطاهر ميخائيل ليعد طريقه، وفيما هو كذلك  وجد راعي غنم فقال له .. السلام لك يا أخي الحبيب ، أجابه قائلاً .. الرب يكون معك . فقال له دوروثاؤس ترى نجد عندك خروفاً لهذا الرجل الرئيس الذي عندنا اليوم. أجابه الراعي كم يكون ثمنه فقال ثلاثة دنانير، وأنه لوقته أخرج الثوب الذي له وناوله للراعي فلم يأخذه منه بل قال له .. ماذا أعمل بهذا إذ ليس عندي أحد يلبس غيرالصوف ولم يعطه الخروف، فرجع المبارك دوروثاؤس في طريقه وهو حزين باك، وفيما هو كذلك تطلع فرأى رئيس الملائكة ميخائيل لابساً حلة ملوكيه وهو راكب حصاناً أبيض في هيئة أسفهسلار الملك، فقال لدوروثاؤس .. السلام لك أيها الرجل المؤمن ، إلى أين كنت ماضياً وحدك ، فأجابه قائلا... لك افضل السلام يا سيدي ومولاي الأمير، وحسناً مجيئك اليوم إلينا ، فقال له .. أترى  إمرأتك ثاؤبسته بالحياة أجابه دوروثاؤس قائلاً... نعم يا سيدي ، قال .. ما هذا الذي  في يدك، فقال له .. هو ثوب عبدتك زوجتي، وماذا تصنع به؟ أجاب .. أن رجلاً جليل القدر حضر إلينا ولم نجد ما نقوم به لأنه لم يتبق لنا شيء من المال، وحاولت أن أشتري به خروفاً فلم يمكن ذلك ولا أعلم ماذا أصنع؟ ... وأخذت لك الخروف وكل ما تحتاج إليه هل تضيفني ومن معي؟ .. أجابه دوروثاؤس  وقال ... أترى أكون مستحقاً لهذا أن تدخل تحت سقف بيتي. وأن الطاهر ميخائيل قال لأحد الملائكة المتشبهيين بالجند التابعين له إمض إلى الراعي مع دوروثاؤس وقل له هكذا يقول لك الأمير الذي عبر بك تلك الساعة أرسل لي خروفاً يكون ثمنه ثلاثة دنانير، وهو يرسل لك ثمنه في نصف النهار، وأن دوروثاؤس مضى مع الملاك إلى الراعي فأعطاه الخروف وعاد إلى الرئيس الذي هو ميخائيل، وقال أيضاً لأحد الجند إمض إلى النهر وقل للصياديين .. يقول لكم الأمير الذي جاز بكم الساعة أرسلوا حوت سمك جيد ثمنه ثلث دينار وهو يرسل لكم ثمنه في نصف النهار. فمضى الملاك المتشبه بالجند إلى الصياديين باسم رئيس الملائكة ميخائيل وقال لهم كذلك فأعطوه الحوت فأخذه وأتى به إلى دوروثاؤس، وكان دوروثاؤس مفكراً كيف يجد ثمن الخروف والسمكة وما يحتاج إليه الرئيس من خمر وخبز وفرش. فكان سائراً في الطريق وفي قلبه أفكاراً كثيرة، وكان يصلي ويطلب إلى الله قائلاً الله أعني ، يا رئيس الملائكة ميخائيل شفيعي قف معي اليوم لأنك تعرف إني فعلت كل هذا باسمك طالباً بذلك غفران خطاياي.
 
وكان رئيس الملائكة ميخائيل يعرف أفكاره ويطيل روحه، فلما وصلوا إلى باب منزل دوروثاؤس دق الرئيس الباب فخرجت الطوباوية ثاؤبسته فقال لها رئيس الملائكة ميخائيل المتشبه بالأمير ... السلام لك أيتها المؤمنة . فأجابته قائلة .. عبدتك تسجد أمام أقدامك أيها السيد الأرخن، حسناً مجيئك إلينا اليوم، وفيما هم كذلك ، وإذا دوروثاؤس أتى ومعه الخروف والسمكة والثوب فوضعها قدام زوجته، فقالت له يا سيدي أين وجدت كل هذا؟ ... أجابها دوروثاؤس قائلاً ... أن هذا الرجل الرئيس ضمني وأخذ لي هذه الأشياء وأن الرئيس قال لهما إهتما بالموضع جيداً  وإذبحا الخروف وهيئا ما يحتاج إليه المدعوون، أما هذا الحوت السمك فاتركاه إلى أن أجىء وأصلحه كما أريد لأني ماض إلى الكنيسة لأحضر القداس من أجل أنه عيد رئيس الملائكة الجليل ميخائيل، ولما قال هذا خرج من عندهما ولم يعلما من أين هو، بل كانا يظنان أنه من رؤساء العالم. فقاما مسرعين وأصلحا البيت كما يجب، ومضيا إلى مخزن الخمر ليأخذا خمراً للقربان فوجداه مملوءاً إلى الباب، فخافا جداً عندما رأيا ذلك، وخاطب دوروثاؤس زوجته قائلاً .. هل أحد من الناس أتى إليك بخمر؟ .. أجابته قائلة .. حي هو الرب أنه من الوقت الذي أخرجنا فيه خمر القربان الماضي لم يبق لنا سوى جرة (وعاء) واحدة، فقال لها .. تمهلي حتى أنظر بقية المخازن، فمضيا إلى أماكن الزيت فوجداها مملوءة زيتاً مع ما يحتاجان إليه، ثم أتيا إلى الخزائن المختصة بالأقمشة فوجداها مملوءة أيضاً ملابس حسنة والديباج، وكل ما يحتاجون إليه لهذا العالم ثم مضيا إلى مكان القمح فوجدا قمحاً كثيراً وعلما النعمة التي أدركتهما من قبل الله بشفاعة رئيس الملائكة الأطهار ميخائيل.
 
وإنهما فرشا منزلهما جيداً وهيئا ما يحتاجان إليه، ووضعا الموائد كالعادة وتزينا بلباس فاخر ومضيا إلى البيعة وسجدا أمام الله وشكراه على ما أنعم عليهما لأجل النعمة التي أدركتهما بشفاعة رئيس الملائكة ميخائيل، وصليا هكذا قائلين ... نشكرك يا ربنا يسوع المسيح مع أبيك الصالح والروح القدس الإله الواحد لأنك أنعمت علينا بنعمة تفوق استحقاقنا من قبل طلبات رئيس ملائكتك الطاهر ميخائيل، لأنك لم تبعد عنا رحمتك ولم تغفل عن تضرعاتنا وقرابيننا وأرسلت علينا تحننك سريعاً، ثم بعد ذلك تناولا من الأسرار المقدسة ومضيا إلى منزلهما وأستدعيا كل من في البيعة من الرجال والنساء وأتيا بهم إلى منزلهما ، وجلسا ينتظران الرئيس المتشبه بالأمير، وفيما هما كذلك إذ أتى ودق الباب فخرجا إليه مسرعين واستقبلاه قائلين حسناً مجيئك إلينا مع جندك أيها السيد الرئيس الأمير الجليل، فبالحقيقة نفرح اليوم كثيراً، وإن الرئيس الذي هو ميخائيل دخل البيت فوجده مملوءاً من الناس إلى الباب، فقال لهما .. ما حاجاتكما بهذا الجمع العظيم يا إخوة العلكم ثقلتما على نفسيكما لأجلنا ؟  أما تنظران يا أخويّ الضيق والغلاء الكائن للناس اليوم.. هيهات إذا كان هذا في وقت الرخاء، ثم قالا له .. يا سيدنا الأرخن إغفر لنا لأننا لم نفعل هذا من أجلك ، وليس الحاضرون معنا غرباء عنا بل هم إخوتنا في المسيح يسوع أولاد البيعة وهم لنا . فلما سمع رئيس الملائكة ميخائيل كلامهما هذا فرح كثيراً. وقال لدوروثاؤس .. أحضر لي السمكة دون أن تسلخها ، فأمره أن يفتح فاها ويخرج بلعومها أولاً، ففعل كذلك ووجد داخلها ثلثمائة ديناراً وثلاثة أثلاث ذهب. فرفع عينيه وقال ... عادل أنت يا رب وكل أحكامك مستقيمة ، ومحبتك لا تحصى ولا تعد ...
 
وإن الرئيس الذي هو ميخائيل قال لدوروثاؤس وثاؤبسته زوجته .. إحضرا وخذا الذهب من أجل أنكما تعبتما معنا كثيراً وهذه الثلاث أثلاث واحد للراعي ثمنا للخروف، وواحد للصياد ثمناً لحوت السمك، وواحد ثمناً للقمح الذي رهنتما الثوب له أمس ودفعتماه للقربان.
وإن دوروثاؤس  وثاؤبسته سجدا أمام الرئيس قائلين .. ماذا فعلنا معك يا سيدي حتى نأخذ هذا الذهب عوضه ، ولتعلم أن هذا الذي نفعله هو رسم باسم رئيس الملائكة الأطهار ميخائيل، ولكن نحن الآن نأخذ الثلاث أثلاث فقط لنعطيها عوض ما أخذناه باسمك. فأجابهما الرئيس الذي هو ميخائيل وقال لهما ... وحق حياة سيدي الملك لا بد أن تأخذا الذهب كله ولا تتركان منه شيئاً وليس هذا فقط بل إذا أتيتما هناك سوف نعطيكما رأس المال مضاعفاً. فتعجب دوروثاؤس وثاؤبسته من هذا الكلام كثيراً وقالا له .. إننا لم نرك قط يا سيدنا إلا في هذا اليوم، ولم نعطك شيئاً، فلماذا نأخذ منك . فقال لهما .. أنا أعرفكما وأعرف حالكما من حين ميلادكما حتى الآن وآتي إلى منزلكما في كل شهر  وبعد أن أمضي ترسلان لي كرامات عظيمة ، فهذا ذخرته بإسمكما  وكتبت إسميكما في مدينة ملكي لكي تعطى لكما مضاعفة . فسجد أمام قدميه قائلين .. نسألك يا سيدنا أن تعرفنا بإسمك لأننا تحيرنا جداً. فأجابهما قائلاً.. إلى الآن ما عرفتاني؟...